أميركا ودرس ألمانيا النازية

أميركا ودرس ألمانيا النازية

الثلاثاء - 24 شوال 1441 هـ - 16 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15176]

ثمة ثورة ثقافية تجتاح بريطانيا العظمى والولايات المتحدة. وفي خضم تحطيمهم تماثيل لمُلاك عبيد يطالب المتظاهرون بتعويضات أخلاقية، واعتراف بأن العبودية والإمبريالية شكلا أساس ثروة وقوة اثنتين من أبرز دول العالم، ودفعا بملايين الأشخاص من أصحاب البشرة الداكنة نحو أجيال من الفقر والمذلة.
ونجح محطمو التماثيل في تحويل قطاع كبير من الرأي العام لصفهم، مثلما يتجلَّى في المشهد المذهل (وإن كان سخيفاً بعض الشيء) لمشرعين ديمقراطيين في كينت يجثون على ركبهم تضامناً مع ضحايا العنف العنصري. وخرج عديد من الأفراد والمؤسسات إلى العلن، للإعلان بحماس عن مساندتهم لقضية العدالة العنصرية، في الوقت الذي يتعرض فيه من يعارضونها للتشهير.
ومع هذا، من الواضح أن معركة أعمق وأطول أمداً وأشد ضراوة تبدأ لتوها، حول الهوية الوطنية الجديدة التي تحتاج إليها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة؛ خصوصاً في وقت يسعى البلدان فيه للتعافي من أطلال خلفها وباء مدمر.
ومثلما لم تعد الافتراضات المرتبطة بتاريخ ملاك العبيد مقنعة لقطاع عريض من الشعب الأميركي، فإن الارتباط العاطفي بالإمبراطورية، وأوهام إحياء المجد والقوة البريطانية، لن يتمكنا من الصمود أمام انعدام كفاءة حكومة محافظة، يبدو أنها لا تعرف في الحياة سوى «إنجاز بريكست»، بل وحتى هذا الأمر محل شك.
وفي خضم بحثهما عن هوية تلائم حقبة ما بعد العنصرية والإمبريالية، سيكون من الحكمة أن تستقي الولايات المتحدة وبريطانيا دروسهما من عدوتهما اللدود خلال حربين عالميتين: ألمانيا.
في الوقت الذي لوح فيه أنصار فكرة تفوق العنصر الأبيض بلافتات تحمل صورة الصليب المعقوف، ورددوا شعارات «الدماء والأرض» و«اليهود لن يحلوا محلنا» في شارلوتسفيل بفيرجينيا، ونشر سياسيون وصحافيون أكاذيب حول المهاجرين، كي يمهدوا الطريق أمام «بريكست»، استضافت ألمانيا «ثقافة ترحيب» بما يزيد عن مليون لاجئ، فيما وصفته سوزان نيمان في كتابها الصادر في توقيت ممتاز «التعلم من الألمان»، بأنه: «أكبر وأوسع حركة اجتماعية في ألمانيا منذ الحرب».
من ناحيته، حاول أنجح أحزاب اليمين المتطرف خلال حقبة ما بعد الحرب، حزب «البديل من أجل ألمانيا» تقويض هذا الإجماع الألماني؛ لكنه مني بالفشل مرة بعد أخرى في توسيع نطاق قاعدته الصغيرة، ويعاني اليوم من حرب أهلية داخل صفوفه، واستراتيجية متخبطة تجاه التعامل مع وباء فيروس «كورونا»، الأمر الذي دفعه إلى الهامش من جديد. علاوة على ذلك، فإن محاولات «البديل من أجل ألمانيا» لنفي أو التقليل من حجم الماضي النازي للبلاد، نجحت بدلاً عن ذلك في تعزيز مشاعر مناهضة العنصرية في ألمانيا.
هذا النكوص الواسع والمستمر لأنصار أفكار التفوق العرقي والعنصري، يؤكد أن ألمانيا حققت درجة عالية، إن لم تكن مثالية، من الحصانة تجاه نمط السياسات السامة التي عصفت بالولايات المتحدة والمملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
بيد أن هذا لم يتحقق بين عشية وضحاها، فعلى سبيل المثال، كتب نيمان، الفيلسوف صاحب الأصول اليهودية الذي نشأ في الجنوب الأميركي الذي غلب عليه التمييز العنصري، ثم عاش في برلين لسنوات طويلة، أن: «الأمر استغرق عقوداً من العمل المضني قبل أن يقر من ارتكبوا ما تعتبر الجرائم الأشد فظاعة في التاريخ، بتلك الجرائم، ويشرعون في التكفير عنها».
أما تفكيك النازية الذي طالب به بادئ الأمر المحتلون الأميركان لألمانيا، فقد أنجز على نحو جزئي فحسب. وقد وجد عملاء الاستخبارات الأميركية كثيراً من المجرمين النازيين مفيدين أثناء الحرب الباردة في مواجهة الشيوعية السوفياتية. في الواقع، فإن ثورة الطلاب في الستينات داخل ألمانيا اشتعلت في جزء كبير منها بسبب ظروف كان لمسؤولين حكوميين ورجال صناعة ومصرفيين وأساتذة جامعيين من الحقبة النازية دور كبير فيها.
بجانب ذلك، نظر كثير من الألمان إلى أنفسهم كضحايا. وعلى امتداد العقود، ازدهرت ثقافة قوية لإحياء الذكرى، والاحتفاء داخل وخارج الفصول الدراسية. وانتشرت النصب التذكارية الكبيرة والصغيرة لضحايا جرائم النازية عبر أرجاء البلاد، وتنوعت ما بين النصب التذكاري لضحايا «الهولوكوست» في برلين إلى مجموعة من الآجر في الأرض بأحد الشوارع المحلية، تسجل أسماء وتواريخ ميلاد وترحيل أشخاص عاشوا ذات يوم في ذلك المكان.
عام 1970، شعر كثير من الألمان الأكبر سناً بصدمة لدى رؤيتهم المستشار الألماني ويلي براندت يجثو أمام نصب تذكاري لـ«غيتو وارسو»، اعتذاراً منه للعالم عن جرائم النازية. حملت الصورة بداخلها قوة استثنائية، وعند النظر إلى الوراء اليوم تبدو بمثابة إعلان عن مجتمع وثقافة يجري تجديدهما باستمرار، عبر جهود الاستكشاف الأخلاقي والتحقيق التاريخي. ضع مقابل ذلك التوجهات الأنغلو - أميركية، على سبيل المثال، إعلان رئيس الوزراء البريطاني صاحب الميول اليسارية غوردون براون أثناء رحلة إلى شرق أفريقيا عام 2005 أن «الأيام التي كانت تضطر بريطانيا فيها إلى الاعتذار عن ماضيها الاستعماري ولت». (ناهيك عن أن بريطانيا لم تعتذر قط من الأساس).
اليوم، يقف العالم الأنغلو - أميركي بحاجة ماسة إلى إجراء محاسبة للماضي على غرار ما فعلته ألمانيا؛ خصوصاً أن التوجهات العنصرية الفجة الداعمة لفكرة تفوق العرق الأبيض، والتي تمثلها تعليقات ترمب ومذيع قناة «فوكس» الشهير تكر كارلسون، لن تسفر سوى عن تعميق المأزق السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تواجهه بريطانيا والولايات المتحدة اليوم.وبالتأكيد، فإن هؤلاء الواقعين تحت سيطرة الخرافات العرقية والوطنية والإمبريالية، لن يروا سوى الضعف والاستكانة في أي اعتراف بجرائم وقعت في الماضي البعيد لمجتمعهم. بيد أن تفوق ألمانيا، أخلاقياً وسياسياً واقتصادياً، على منافسيها القدامى الأنغلو - أميركيين أصبح حقيقة قائمة اليوم يتعذر إنكارها، وأنها أثبتت للجميع أن مواجهة التاريخ المشين تتحول نهاية الأمر إلى مصدر قوة كبرى.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة