هل يصيب الوباء أهداف التنمية المستدامة؟

هل يصيب الوباء أهداف التنمية المستدامة؟

الأحد - 16 شوال 1441 هـ - 07 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15167]
نجيب صعب
الأمين العام للمنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) ورئيس تحرير مجلة «البيئة والتنمية»

هل يمكن تحقيق أهداف التنمية المستدامة في موعدها حسب «جدول أعمال 2030»، الذي وضعه زعماء العالم بالإجماع عام 2015؟
أوّل ما يتبادر إلى الذهن أن هذا غير ممكن، ليس فقط لأن الأولويات اختلفت، بل لأن الأموال التي كان يُفترض أن تُخصَّص لتحقيق هذه الأهداف ستذهب إلى معالجة أمور طارئة أخرى. كما أن النجاح في تحقيق أهداف التنمية المستدامة بات يتطلب اعتماد قواعد وأساليب جديدة.
لن يقتصر تأثير الجائحة على توقيت التنفيذ، بل سيتعداه إلى آلية العمل أيضاً. فالاجتماعات المقررة لسنة 2020 لن تحصل وفق الخطة المتفق عليها، لا سيما القمة السياسية السنوية التي تنظمها الأمم المتحدة في يوليو (تموز) لمناقشة التقدُّم في تحقيق الأهداف. وقد لا يكون في هذا خسارة كبيرة، لأن القمة تحوَّلت إلى نوع من الفولكلور. وانحسار عمل الهيئات الحكومية والمنظمات الدولية سيؤدي إلى تأخير في مناقشة السياسات واتخاذ القرارات. أما الآثار السلبية المباشرة فتطال جميع الأهداف، بدءاً بالهدف الثالث الذي يدعو إلى ضمان تمتُّع جميع البشر بصحة جيدة. وقد كانت الصحة الضحية الأولى للوباء، فخسر العالم كلّ تقدُّم حصل خلال السنوات الأخيرة، بعد توجيه الإمكانات المتوافرة إلى معالجة الوضع الطارئ على حساب الرعاية الصحية الشاملة. أما الهدف الرابع، الذي يدعو إلى تأمين التعليم الجيّد والشامل للجميع، فأُصيب بضربة موجعة مع خروج أكثر من مليار طالب من صفوف الدراسة النظامية، وضعف البنى التحتية الملائمة في كثير من الدول الفقيرة لتأمين التعليم عن بعد عبر شبكة الإنترنت. وتعرّض الهدف الثامن، الذي يُعنى بتأمين العمل اللائق للجميع وتعزيز النمو الاقتصادي الشامل والمستدام، إلى صدمة تمثّلت في انهيار اقتصادي غير مسبوق وخسارة عشرات الملايين لوظائفهم. أما الهدفان الأول والثاني، المعنيّان بالقضاء على الفقر والجوع، فتراجعا على نحو مذهل، مع توقُّع دخول عشرات ملايين الأعضاء الجدد إلى نادي الفقراء والجياع.
وفي حين يدعو الهدف السابع إلى توفير مصادر الطاقة النظيفة والمأمونة للجميع، فقد أدّى النقص في أعداد عمّال الصيانة إلى أعطال في شبكات الكهرباء الموجودة، كما أوقف تراجعُ الاستثمارات بناءَ محطات إنتاج جديدة، سواءٌ منها ما تعتمد على المصادر التقليدية أو المتجددة. ووفق أرقام وكالة الطاقة العالمية، شهدت الاستثمارات في الطاقة أضخم انخفاض لها في التاريخ خلال الشهور الأخيرة، ومن المتوقّع أن تتراجع بنسبة 20 في المائة مع نهاية هذه السنة مقارنة بالسنة الماضية، أي ما يوازي 400 مليار دولار. وتحذّر الوكالة من أن هذا سيؤثر على إمدادات الطاقة كما سيعيق التحوُّل إلى مصادر الطاقة النظيفة.
مهما كانت التمنيات، فالواقع أن الأوضاع الراهنة ستؤثر سلباً على التزامات الحدّ من التغيُّر المناخي، حيث كان يُفترض أن يبدأ، وفق اتفاقية باريس، ضخ مائة مليار دولار سنوياً للعمل المناخي في الدول النامية هذه السنة. وفي غياب تمويل ثابت لتدابير عملية وطويلة الأمد، لن يُعوّض عن هذا التأخير الانخفاض الوقتي في الانبعاثات الناجمة عن الصناعة ووسائل النقل.
في المقابل، تبرز مؤشرات إيجابيّة، أبرزها أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، بما فيها رعاية البيئة، لا تزال على جدول الأعمال الوطني والدولي، رغم التحدّيات الصحية والاقتصادية. فقد دفع التحدّي الجميع إلى الاعتراف مجدّداً بحتمية التعاون الدولي في مواجهة الكوارث العابرة للحدود، أكانت صحية أم بيئية.
ورغم النزعات الانعزالية في بعض البلدان، والحركات الشعبوية التي تستخف بتدابير رعاية البيئة والتصدي لتغيُّر المناخ، فقد أعلن الاتحاد الأوروبي، عندما خَصَّ الأسبوع الماضي «صندوق التعافي» لدول الاتحاد بمبلغ إضافي قدره 750 مليار دولار، أن المساعدات ستكون مشروطة باعتماد سياسات خضراء تنعكس على مشاريع القطاعين العام والخاص، بما فيها كفاءة المباني والطاقة المتجددة والنقل النظيف.
إذا كانت السياسات المعلنة والأموال الموجّهة لمعالجة التحدّيات الصحية والاجتماعية والاقتصادية في الدول الغنية ستأخذ تحقيق أهداف التنمية المستدامة في الاعتبار على المستوى المحلّي، فماذا عن الدول النامية التي تحتاج إلى مساعدات لتنفيذ التحوُّل المطلوب؟ ما انعكاسات الانهيار الاقتصادي العالمي على الهبات والقروض والاستثمارات في الدول النامية، سواءٌ أكانت من الحكومات أم صناديق التنمية أم القطاع الخاص؟ هنا سيكون التحدّي الكبير.
حاجة الدول المانحة إلى ضخ أموال هائلة لإنقاذ اقتصاداتها داخلياً سيشكّل ضغطاً على ما هو مخصص للمساعدات الخارجية. وستتدنى مساهمات الدول في ميزانيات المنظمات الدولية وصناديق التنمية. هذا يستدعي مقاربة جديدة من جميع اللاعبين، لأن استقطاب الأموال والاستثمارات سيصبح أكثر صعوبة ويخضع لشروط، أهمها الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد والكفاءة، فيحصل المستثمر الخارجي على ضمانات، ولا تذهب القروض والهبات هدراً.
على الدول النامية ترتيب بيتها الداخلي وتحديد أولوياتها من جديد واستثمار مواردها البشرية والطبيعية بكفاءة عالية، لتثبت أنها جديرة بالدعم الخارجي، إلى جانب تعزيز التعاون الإقليمي. وعلى المنظمات الدولية وصناديق التنمية الالتزام بمعايير صارمة في الكفاءة والإنتاج، فتركِّز على النتائج لا على عدد المشاريع وحجم القروض والمساعدات.
لا شكّ أن الكارثة العالمية التي نعيشها ستغيّر في الجدول الزمني لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، بما فيها التغيُّر المناخي ورعاية البيئة، خصوصاً في الدول النامية. لكن علينا الاعتراف بأن التقاعس في الإيفاء بشروط تحقيق هذه الأهداف لم يكن وليداً لجائحة مستجدّة، بل سبقها بسنوات. ولَيس مسموحاً بأخذ الجائحة وحدها حجة للتأخير.
تغيير المسار كان مطلوباً منذ زمن طويل. فعسى أن تشكّل الصدمة دافعاً إلى سياسات تنموية جديدة طال انتظارها، على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية. وبدلاً من أن يصيب الوباء جهود التنمية المستدامة، قد تؤدي إدارة الخروج من الأزمة بنجاح إلى وضعها على المسار الصحيح.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة