استقالة الخضر حسين من مشيخة الأزهر وروايات متعارضة

استقالة الخضر حسين من مشيخة الأزهر وروايات متعارضة

الأحد - 8 شوال 1441 هـ - 31 مايو 2020 مـ رقم العدد [15160]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

ثمة رواية تعارض رواية طه جابر العلواني، في سبب استقالة محمد الخضر حسين من مشيخة الأزهر، قال بها «إخواني» مصري، هو من كتبة «الإخوان المسلمين» الصحافيين القدامى. هذا «الإخواني» هو محمد عبد الله السمان.
هذه الرواية وردت في كتابه «عفواً يا فضيلة الإمام الأكبر»، ووردت بألفاظ مختلفة في مقال له عنوانه «الأزهر في مهب العاصفة». تقول هذه الرواية: «في عام 1953 حدث اعتداء فرنسا على سلطان المغرب محمد الخامس لمواقفه الوطنية، وأُبعد عن بلاده؛ لكن بعض القبائل العميلة للاستعمار الفرنسي آزرت المعتدي. وعقد الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين جلسة لهيئة كبار العلماء، وأصدر بياناً شديد اللهجة ضد عدوان فرنسا على السلطان الشرعي. واعتبر البيان أن العملاء الخونة خارجون عن الإسلام لموالاتهم للعدو الكافر المغتصب! وأرسل البيان إلى جريدة (الأهرام) التي عُرفت بولائها لكل حكومة، وعرضته على المسؤولين الذين طالبوا بإرجاء نشره. وفي الصباح لم يجد الشيخ بيان هيئة كبار العلماء منشوراً في الجريدة، فأرفق مع استقالته صورة من البيان، وأرسلها إلى رئيس الجمهورية. وكان أن نُشر البيان كاملاً في اليوم التالي تجنباً لمصادمة قد تحدث مع الأزهر شيوخاً وطلاباً حين تشاع الاستقالة»!
البون شاسع -كما ترون- بين رواية الصحافي المصري «الإخواني» وبين رواية الأكاديمي العراقي «الإخواني» في أكثر من وجه، رغم أن كليهما كان شاهداً على حادثة استقالة محمد الخضر حسين من مشيخة الأزهر!
يهمنا من هذه الوجوه هنا، أنه في رواية طه جابر العلواني، وكذلك في رواية عبد الحكيم حمادة، ثار طلبة الأزهر على مشيخة محمد الخضر حسين للأزهر بتدبير من مجلس قيادة الثورة، وفي رواية محمد عبد الله السمان، حبال الولاء لمشيخة محمد الخضر حسين للأزهر عند طلابه، وعند مشايخه أيضاً مستحكمة!
لا تستحق رواية محمد عبد الله السمان أن نوازنها برواية طه جابر العلواني؛ لأن وسطها محشو بالبهتان، وخاتمتها ركيكة ومتهافتة، ولا يزكي روايته إخبار صاحبها لنا بأنه كان على صلة وثيقة بالشيخ محمد الخضر حسين.
كنت قد قلت في مقال سابق إن حلمي النمنم شكك في أن سبب استقالة محمد الخضر حسين هو اعتراضه على دمج القضاء الشرعي في القضاء الأهلي، وإنه حاول تفنيد هذا التسبيب. وسأعرض الآن محاولة تفنيده هذا التسبيب، ثم نحكم عليها: هل هي مقنعة أم غير مقنعة؟
يقول حلمي النمنم في كتابة «الأزهر: الشيخ والمشيخة»: «قيل إنها كانت لأسباب صحية، وقيل بل لأنه اعترض على إلغاء القضاء الشرعي ودمجه في القضاء الأهلي، وأنه كان يريد العكس، أي أن يدمج القضاء الأهلي في القضاء الشرعي، ويصير القضاء كله قضاءً شرعياً. والحق أنه يصعب القبول بذلك؛ لأن القضاء الشرعي ألغي في العام التالي للاستقالة، أي سنة 1955، ومن ثم لم تكن هناك مشكلة. وفضلاً عن ذلك، فإن الثورة كانت قد ألغت جانباً من الوقف الأهلي وضمته إلى المال العام، وأبقت على الوقف الخيري، وكان ذلك في سنة 1952، ولم يعترض الشيخ الخضر. ومن ثم فلم يكن ليعترض على خطوة القضاء. وقيل إن الوزير فتحي رضوان ذهب إليه مكلفاً من القيادة، ليحاول إقناعه بالعدول عن الاستقالة. ولدينا مذكرات فتحي رضوان ولم يذكر فيها شيئاً من ذلك. كل ما ذكره في هذا الصدد أن فضيلة الشيخ: لم يسمح لنفسه أن يساير الحكومة، ولا أن يردد كلامها، ولا أن يخاصم خصومها، ولكن مظهره جنى عليه... فحرم البلاد منه، ومن علمه وفضله».
يستنتج حلمي النمنم من كلام فتحي رضوان السالف «أن الرجل كان مضطراً إلى تقديم استقالته، ليس لقضية عامة؛ بل لأن مظهره جنى عليه»!
أعتقد أن محاولة تفنيده لذلك التسبيب لم تكن مقنعة. فإلغاء القضاء الشرعي في العام التالي لاستقالة محمد الخضر حسين من مشيخة الأزهر يؤكده ولا ينفيه. كما أن إلغاء الوقف الأهلي صدر بقانون يحمل رقم 180 بتاريخ 14 سبتمبر (أيلول) عام 1952، والشيخ محمد الخضر حسين –كما يقول حلمي النمنم في كتابه- «فوجئ يوم 16 سبتمبر عام 1952، بثلاثة من الوزراء توجهوا إلى بيته في شارع خيرت بالقاهرة ليعرضوا عليه باسم الثورة، موقع مشيخة الأزهر، فرحب به».
أما تاريخ إصدار وثيقة تعيينه، فكان 22 سبتمبر، وتاريخ نشرها، كان 29 سبتمبر. أي أن إلغاء الوقف الأهلي سبق تعيينه شيخاً للأزهر.
وما أستنتجه من كلام فتحي رضوان أنه أجمل أسباب استقالة الشيخ الخضر حسين من مشيخة الأزهر. وهذه الأسباب المجملة لا تنفي اعتراض الشيخ على إلغاء القضاء الشرعي ودمجه في القضاء الأهلي؛ بل هناك جملة تشير إلى هذا الأمر، وهي: «أن الرجل لم يسمح لنفسه أن يساير الحكومة»، فهذه الجملة الغامضة ربما تعني رغبة الحكومة في إلغاء القضاء الشرعي ودمجه في القضاء الأهلي. والشيخ محمد الخضر حسين لتقليديته الشديدة لم يسايرها في هذا الرغبة. وجملة: «ولا أن يردد كلامها» يعني فتحي رضوان بها بعض الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها حكومة الثورة، والتي منها تحديد الملكية، ويعني بها إصلاحاً متعلقاً بالأزهر. أما جملة: «ولا أن يخاصم خصومها» فالمقصود بها خصوم ثورة 23 يوليو (تموز)، أو أعداؤها في عام 1954. وأعداء ثورة 23 يوليو عند مجموعة «الضباط الأحرار» التي على رأسها جمال عبد الناصر، هم: محمد نجيب، وأركان النظام القديم الملتفون حول محمد نجيب، و«الإخوان المسلمون».
ولا يُعتد بالجملة التي أتت بعد حرف العطف والاستدراك «لكن» بوصفها سبباً؛ لأن هذه الجملة «مظهره جنى عليه» كانت معلومة حين رشح ذات ليلة أحد الوزراء في اجتماع لمجلس الوزراء محمد الخضر حسين لشغل منصب شيخ الأزهر. وهذا هو نصها الشارح كما صاغه فتحي رضوان: «... ولكن الرجل كان يعاني منذ صباه شللاً يظهره أكبر من سنه، ويبدي عجزه عن الحركة والكلام»، إلا أنهم ومع معرفتهم بهذه الحقيقة قالوا، أو قال بعضهم: «ولكن ذلك المظهر لم يكن يمثل الواقع في كثير وقليل. فقد كان الرجل حاضر الذهن، شجاعاً، قادراً على أن يقرأ، ويكتب، ويدرس». إن قرار تعيين محمد الخضر حسين شيخاً للأزهر، كما رواه فتحي رضوان في مذكراته «72 شهراً مع عبد الناصر»، وشارك فيه من موقعه كوزير دولة من مهامه الإشراف على شؤون الأزهر، كان قراراً ارتجالياً. فالشيخ صحيح أنه -كما قال بعض الوزراء، أو قال فتحي رضوان في ذلك الاجتماع– «رجل فاضل، وعالم واسع العلم، ترك آثاراً أدبية وفقهية، ودروساً في الأخلاق الإسلامية، ترفعه إلى مصاف الأئمة الصالحين، والدعاة المرشدين»؛ لكنه كان ذا فكر ديني تقليدي محافظ عتيق.
ويقيناً أن قرار اختيارهم عبد الرحمن تاج بعده شيخاً للأزهر، كان قراراً مدروساً، ولم يكن اعتباطياً. فهذا الشيخ الحائز على درجة الدكتوراه من جامعة «السوربون» في الفلسفة وتاريخ الأديان، كان مواكباً للعصر، ومواكباً للتغييرات النوعية التي أحدثها رجال الثورة على صعيد الدولة والمجتمع في مصر، في منتصف الخمسينات. وكان يتوفر على حس سياسي كان مفقوداً عند محمد الخضر حسين.
هناك رواية قال بها زكريا البري عن سبب استقالة الشيخ محمد الخضر حسين. وتأتي أهمية هذه الرواية من أن صاحبها أكاديمي أزهري بارز في مجال الشريعة والقانون، وأنه كان وزيراً للأوقاف من عام 1980 إلى عام 1982، وأنه كان على صلة شخصية بالشيخ إلى عام وفاته، عام 1958.
هذه الرواية نقلها الدكتور غريب جمعة الذي أشرت إلى عنوان مقاله ومكان نشره في مقالي «مشيخة الأزهر وفترة قلقة». وقد أتت هذه الرواية –كما ذكر الدكتور غريب جمعة– في كلمته التي ألقاها في حفل أقيم بمناسبة ذكرى الشيخ محمد الخضر حسين في مسجد بطريق الأهرام، نزلة البطران، الجيزة، القاهرة الكبرى.
قال زكريا البري في كلمته: «خرج الشيخ من المشيخة وقدم استقالته لأنه غضب من بعض الأمور التي أرادتها حكومة الثورة بالأزهر، وقال: لا أوافق عليها مطلقاً! ثم بعد ذلك زاره وزير الأزهر الذي استحدثت له الحكومة هذا المنصب ليسحب البساط من تحت أقدام شيخ الأزهر، ويتولى معظم اختصاصاته. وهو (أي وزير الأزهر) حي يرزق. وقد حدثني بهذا أيضاً، وحدثته حينما نقلت إليه ما قاله الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر، فقال الوزير: هذا حقيقي، وقد زرته (الكلام لوزير الأزهر) وقلت له: إن استقالتك واعتكافك سبَّب للدولة متاعب سياسية، وأنا باسم الدولة أنصح باسترداد الاستقالة والعودة إلى العمل. قال الإمام: بشرط أن تستجاب المطالب التي تقدمت بها، وأن تعدل حكومة الثورة عما تريده نحو الأزهر. قال الوزير: لك هذا. وذهب الشيخ إلى مشيخة الأزهر يوماً واحداً أظنه يوم الخميس، ثم قرأ في اليوم الثاني قبل أن يخرج من بيته قبول استقالة شيخ الأزهر، أو بتعبير أدق تعيين شيخ آخر مكانه. فزرته في المساء وقلت له: كيف تم ذلك؟ فقال: لا أعلم. أنا ذهبت لمصلحة الأزهر كما حدثني الوزير المختص بذلك. ثم بعد ذلك لم يتحدثوا عن استقالتي، وإنما تحدثوا عن خروجي وتعيين غيري. يا بني: إن كانت جنة فقد دخلتها، وإن كانت ناراً فقد خرجت منها».
للأزهري الدكتور محمد البهي في مذكراته «حياتي في الأزهر: طالباً وأستاذاً ووزيراً» الذي كان موكلاً أيامها بمهمة مراقبة الثقافة الإسلامية بالإدارة العامة للأزهر، إلى جانب تدريسه الفلسفة في كلية اللغة العربية، رواية، المختلف فيها إيراد السبب المباشر لاستقالة الشيخ من مشيخة الأزهر.
السبب المباشر في هذه الرواية أنه قرأ تصريحاً في الصحف لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، محمد نجيب، بأن الحكومة عازمة على تعديل قانون هيئة كبار العلماء بالأزهر.
يقول البهي: «حضر إلى إدارة الأزهر مبكراً، ولم يذهب إلى مكتبه أولاً، وإنما دخل مكتبي، وجلس وأنا وحدي معه. وسألني: هل قرأت الخبر الخاص بجماعة كبار العلماء؟ فأجبته بالإيجاب. فأخرج مكتوباً من جيبه، وقال: اقرأ هذا الخطاب. وإذا به خطاب موجه إلى رئيس الجمهورية، يقدم فيه استقالته احتجاجاً على تدخل الحكومة في شؤون الأزهر؛ بلغة لا تعوزها الصراحة». وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة