هل «كورونا» فرصة العالم لإعادة التأهيل وأنسنة السياسة؟

هل «كورونا» فرصة العالم لإعادة التأهيل وأنسنة السياسة؟

الاثنين - 5 شعبان 1441 هـ - 30 مارس 2020 مـ رقم العدد [15098]
محمد فهد الحارثي
إعلامي سعودي

العالم يعشَقُ المواعيدَ السهلة والعناوين الواضحة. سواء ارتبطت بأحداث إيجابية أو سلبية؛ فتاريخ يرتبط بالهجرة أو ميلاد المسيح، وهناك أحداث بقيت في التاريخ عام الطاعون الأسود أو حادثة 11 سبتمبر (أيلول). ويبدو جلياً أنَّ عامَنا الذي بدأ محموماً منذ مطلعه سيأخذ لقب «عام كورونا».
وهذا الحدث سيشكّل العالم من جديد. هو حدث ربما يحتاج إليه العالم لإعادة أولوياته وعلاقاته ومفاهيمه. لا بدَّ أن نعترف بأننا نعيش في لهاث غير مسبوق وأنَّ هذا الحدث كشف عن هشاشة الدول وضعف البنية الداخلية.
الجشع والرغبة في الامتلاك والنهم في حدة التنافس الذي يقوم على الأنانية والفردانية المطلقة أوجدَ تباعداً ضمنياً تغلفه منظومة الترابط والتداخل الكونية والتي أوجدت مصطلح القرية الكونية.
أوروبا التي هي محجّ المرضى والباحثين عن العلاج، تعيش في أزمة صحية غير مسبوقة. والحال ينطبق على كثير من الدول التي اكتشفت أن التركيز فقط على الناتج الإجمالي المحلي ومعدلات النمو هو صورة لجانب واحد من منظور واسع. تم التغافل عن الكل، وأصبح التركيز على الجزء.
نعم تحقق تطور تقني وسيل من الاكتشافات وتنافس في الاختراعات، ولكنه تم تجاهل الإنسان. ولأنَّ النزعة الليبرالية المفرطة قادت اقتصاد العالم فقد أصبح الانشغال بالربحية وتحقيق العائد، وتجاهلت الحكومات واجبها تجاه شعوبها. وربما ساعد في ذلك التركيبة الانتخابية التي تقوم كل أربع أو خمس سنوات، فأصبحت الأهداف ترتبط بالفترة الزمنية، لأنَّها أنانية الحاكم الذي يريد أن يجعل الأرقام عالية النمو، بغض النظر عن الوسائل أو النتائج بعيدة المدى.
وقد مرَّ العالم بأزمات كانت فرصة لإعادة ترتيب أولوياته وآخرها الأزمة المالية في 2008، لكنَّ الساسة انشغلوا بإصلاح الاقتصاد ونسوا الإنسان.
حتى الجانب الصحي ركزت الشركات الدوائية فيه على الإنتاج الذي يحقق لها عائداً من دون الاستثمار المطلوب في الأبحاث لمواجهة الأوبئة والأمراض، وهي في الحقيقة مسؤولية الدول، لأن هذا يتطلب استثمارات كبيرة. والآن يعترف يوشكا فيشر، وزير الخارجية الألماني السابق، بأن قطاع الصحة كان يجب أن يكونَ عمومياً وهدفه خدمة المجتمع. ويرى أن الدول مسؤوليتها تصنيع اللقاحات والأدوية لمواجهة الأوبئة المتوقعة.
في الأزمات واكتشاف الأخطاء تبدأ المراجعات. وإذا كان مفكرو ما بعد الحداثة اعتبروا أن الحروب العالمية، والنكسات التي حصلت في العالم هي نتيجة لفشل أو قصور الحداثة، فإن هذا الحدث يفتح النقاش حول إذا كانت «ما بعد الحداثة» قد نجحت في أن تكونَ بديلاً ناجعاً، ومراجعة النظريات الشمولية الكبرى التي تعيش في ظلالها.
عالم ما بعد «كورونا» يجب ألا يكون كما قبله. فيروس صغير كشف هشاشة الأنظمة، ومدى عجزنا في مواجهته، وكل التباهي والتطور الاستعراضي سقط في أول اختبار حقيقي.
مبدأ إغلاق الحدود وإقامة الجدار العازل ولنهتم برفاهيتنا الداخلية، وليكن ما يكون للعالم الآخر، هذه النظرة الشعبوية التي أخذت حيزاً عالياً في المد السياسي الحالي في كثير من مناطق العالم، هزمه فيروس صغير. فما حدث في ووهان، وما يحدث في أي مكان آخر في العالم هو بالتأكيد سيصل تأثيره إلى منزلك في واشنطن أو في الريف الإنجليزي أو أياً كان مكانك. لا توجد مناعة ولا حصانة لأحد. مفهوم السيادة نفسه سيتم إعادة النظر فيه، فما يحدث في دولة سيصل تأثيره إلى أماكن كثيرة في العالم. فهناك حقيقة يتناساها الساسة وهي أنه لا يمكن أن يعيش إنسان على جزيرة منفصلاً تماماً عن الآخرين.
ما حدث في الصين ما زال يحمل العديد من الأسئلة، وهي مطالَبة بتوضيح كامل للعالم لما حدث وكيف. «كورونا» ليس شأناً صينياً، أو بالأصح لم يعد شأناً صينياً فقط. بل هي قضية أصبحت ترتبط بكل شخص تأثرت حياته أو أسلوب حياته بهذا المرض.
العالم يتجه لنظام أشبه بحكومة افتراضية يتوافق فيها على الخطوط العريضة، ويكون لكل دولة الهامش الخاص بها وبمعطياتها، لكنها لا تستطيع أن تمارس ما يؤذي العالم، حتى لو كان داخل حدودها. فالسيادة التي وُضعت مبادئها الأولية في معاهدة ويستفاليا في 1648 ستكون بعد وباء «كورونا» مطالَبةً بإعادة تعريفها بشكل مسؤول.
في ظل النوازل الكبيرة تتراجع أهمية القضايا البسيطة، ويدرك الإنسان كما تدرك الدول أنها استنزفت جهداً وطاقة في قضايا لا تستحق. هذا الوباء أكد بصورة واضحة وحدة الأسرة الإنسانية. لم يعد هناك تمييز بين دول العالم المتقدم ودول العالم الثالث، بل لم تعد هناك فروقات في الإصابة بهذا المرض بين الطبقات الاجتماعية، فأثرياء وزعماء يصابون به كما يصاب البسطاء. إنها وحدة الإنسانية إنها العودة إلى الأبجديات. وتؤكد الحاجة إلى التكاتف والترابط، فالأزمة كشفت عن عجز الإنسان في أبسط الأمور. ولن يكون حلها إلا بجهد إنساني شامل.
إنَّ مصادر قوة العالم هي ذاتها مصادر ضعفه، فالتداخل وارتباط المصالح يحقق النمو في وقت الرفاهية، لكنه يعني التأثر والانكماش في حالة الضرر. لقد سقطت العبارات الكبيرة وعادت الأسئلة الأولية للحاجات الإنسانية، كما وصفها هرم ماسلو، فالهمُّ الآن أصبح مشتركاً إنسانياً في حالة تاريخية نادرة جمعت كل الأضداد والمتشابهين في خندق واحد.
وطرح «كورونا» السؤال المهم: هل المنظومة الأوروبية هشة لهذه الدرجة؟ وكيف استطاعت الصين أن تسيطر على المرض بل وأصبحت تساعد دولاً أخرى؟ ليتوسع السؤال: هل المنظومة الليبرالية الغربية تآكلت من الداخل بسبب إدمانها للاقتصاد ومصالح الشركات الكبيرة؟ وهل النموذج الصيني الذي يقوم على مركزية الحزب الشيوعي الصيني كان أكثر كفاءة في التعامل مع الأزمة، وأثبت أنَّ لديه منظومة سياسية واقتصادية وبنية داخلية متماسكة، وهو الذي عمل على خنق الاقتصاد من أجل صحة الناس؟
بحرٌ من الأسئلة وعالم يتشكَّلُ من جديد، إنها لحظة مواجهة الحقيقة. فالسياسات لكي تنجحَ لا بدَّ أن يكون محورها الإنسان. والعالم يحتاج أنسنة السياسة. فإحساس الناس بالعجز وحالة عدم اليقين هو شعورٌ كوني اجتمع عليه الناس، وسيكون نقطة مفصلية لتنظيم العلاقة وإعادة تعريف المسلّمات.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة