د. عبد الحق عزوزي
أكاديمي مغربي متخصص في العلوم السياسية والقانون
TT

منتدى دافوس و«روح الحوار»

استمع إلى المقالة

سيبدأ المنتدى الاقتصادي العالمي اجتماعه السنوي الـ56 بعد أيام بدافوس - كلوسترز بسويسرا، وذلك بحضور نحو 3000 مشارك مما يزيد على 130 بلداً، بمن فيهم قادة سياسيون واقتصاديون ورواد تكنولوجيا، في بيئة دولية معقدة تتسم بالغموض والمجهول واللايقين وبتحولات جيوسياسية وتكنولوجية ومجتمعية عميقة.

وتبنَّى المنظمون شعار «روح الحوار» ليكون خريطة طريق عمل جلسات واجتماعات منتدى دافوس، وهذا الحوار هو ضرورة حتمية وواجب أخلاقي وإنساني، وهو تعبير أصيل عن أبرز قيم الحضارة وسمات الشخصية الإنسانية المتوازنة. ويتطلب فضلاً عن التكافؤ بين الإرادات والتوفر على النوايا الحسنة، الاحترام المتبادل والالتزام بالأهداف التي تعزز القيم والمبادئ الإنسانية التي هي القاسم المشترك بين جميع الحضارات والشعوب. ولا يعني احترام الرأي الآخر القبول به في المطلق، فقد أتفق أو أختلف معك، ولكن في النهاية الاحترام هو السائد.

ويجب أن يفتح هذا الحوار المجال واسعاً أمام تفاهم الأوطان والجماعات، وأن يؤدي إلى تقارب الحضارات وتلاقحها، وأن ينطلق من نقاط الالتقاء بدلاً من أوجه الاختلاف، في إطار الالتزام بالموضوعية والحياد عند تناول الآخر من النواحي كافة، والابتعاد المطلق عن تغيير الحقائق على نحو يشوه صورة الآخرين أو يسيء إليهم.

ولكن الأمور جد معقدة؛ وهذا الحوار لن يكتمل ولن يكون له معنى كبير، لأنَّ النظام الدولي الحالي الذي بدأ يتشكل من خلال مأسسة ثلاثة تكتلات «أميركية» و«صينية» و«روسية» سيطبعها قانون القوة بدل قوة القانون؛ وهاته هي القاعدة التي ستصبح أساس النظام العالمي، وستصبح منظمات عالمية كثيرة من دون تأثير كبير ما دامت أميركا شرطي العالم لا ترغب فيها، ولا أدل على ذلك من انسحابها منذ أيام من 31 كياناً تابعاً للأمم المتحدة و35 منظمة غير تابعة لها؛ وهذا طبعاً سيستمر لسنوات بل ولعقود، وسيقوي النفاق الدولي وازدواجية المعايير التي تخدم مصالح القوى العظمى، وسينمي كل يوم الخط الفاصل بين دول الجنوب الشاملة والفاعلين الكبار في النظام العالمي، بل وسيسهم في الزيادة من حدة التوتر بين القوى العظمى أنفسها؛ كما أن الدول ستكون مضطرة أكثر من أي وقت مضى للاصطفاف مع أحد تلكم التكتلات بدل الأخرى وستزداد الصراعات وعسكرة العالم...

وهناك سؤال آخر يطرح: ما العمل أمام مدرسة تظل تدافع عن الليبرالية وأخرى تدافع عن الحمائية؟ وأي تأثير على الاستثمارات في ظل المخاوف من انعدام الاستقرار؟ بخاصة ونحن نعلم أن أوروبا ليست بخير وأن أميركا طلّقتها وتركتها تسبح في مشاكلها. ولا جرم أن هذا هو الانطباع السائد في الصالونات الفكرية وفي التقارير المؤسساتية الأوروبية البارزة وما لاحظناه رأي العين في جولاتنا الأوروبية الأخيرة؛ فالدول الأوروبية تعاني أزمة وجودية وأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية قل نظيرها، وهناك مرحلة من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية تؤثر بشكل بالغ على كل الدول الأوروبية، وتخضع المجتمعات لعملية تحوّل مع إلغاء الامتيازات وبروز الجماعات السياسيّة الراديكالية، إلى جانب بروز دور عموم الجماهير الذين يبرزون كل يوم بوصفهم فاعلين أساسيين في تحديد مصير البلدان بدل الأحزاب السياسية.

ونحن نتحدث عن المدرستين الليبرالية والحمائية، نتذكر كيف تحولت دول مثل الولايات المتحدة الأميركية بين عشية وضحاها من الليبرالية اللامتناهية إلى متدخلة حمائية حفاظاً على مؤسسات الدولة من الانهيار، مما أدى إلى تغير الميكانيزمات الاقتصادية والمالية الدولية؛ فالأزمة المالية التي عاشها العالم عام 2008، والتي أصبحت أزمة اقتصادية، ليست الأولى في التاريخ، وإنما هي الأولى التي يمكن اعتبارها كونية كما يمكن أن تتكرر...

كما نتذكر كيف عمل البنك المركزي الأميركي على خفض نسبة الفائدة منذ عام 2001، مقدماً بذلك مصدراً جديداً للإثراء لمن يتوفرون على مهارات الاستثمار بشكل أفضل عن طريق الاقتراض. وهكذا تهافتت الأسر الأميركية على القرض الشبه المجاني، كما استفاد قطاع العقار بشكل كبير من هذه الهبة المالية.

وفي بداية شتاء 2006، كانت أسر أميركية عديدة من الأكثر فقراً، والتي عرضت عليها القروض العقارية الرهنية، وجدت نفسها غير قادرة على سداد ديونها. وبدأت البنوك في مصادرة الممتلكات، كما بدأ المالكون المثقلون بالديون في بيع ممتلكاتهم قبل أن تصادرها البنوك...

كان النظام المالي الأميركي على حافة الانهيار في أكتوبر (تشرين الأول) 2008 بسبب انعدام السيولة. وقد تم إنقاذ البنوك وشركات التأمين الأميركية عن طريق التجنيس والوعد بالمال العمومي غير الموجود، وأصبح الدين الخاص عمومياً. عبرت الأزمة، بشكل بطيء لكن بشيء أكيد، من الولايات المتحدة الأميركية المحيط الأطلسي، لتصل إلى البنوك الأوروبية الكبرى؛ وهو ما جعل كل الدول ومن دون استثناء، تتغاضى عن سياساتها الليبرالية وتفرض قواعد حمائية أبى من أبى وشاء من شاء.