الجنوب الليبي... جبهة مفتوحة لتنافس سياسي وعسكري بين الشرق والغرب

بعد تعيين مسؤول سابق في حكومة «الاستقرار» نائباً لرئيس «الوحدة»

عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)
عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)
TT

الجنوب الليبي... جبهة مفتوحة لتنافس سياسي وعسكري بين الشرق والغرب

عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)
عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)

تحوّل الجنوب الليبي خلال الأشهر الأخيرة، إلى ساحة تنافس سياسي وعسكري مفتوحة بين الأفرقاء السياسيين في شرق البلاد وغربها، في ظل استمرار الانقسام الحكومي، والصراع على النفوذ منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011.

وترسخت رؤية نخب سياسية ليبية لهذا التنافس اللافت بعد تعيين سالم الزادمة نائباً لرئيس حكومة «الوحدة» الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، الأسبوع الماضي، وذلك بعد أشهر من إقالته من منصبه بوصفه نائباً لرئيس حكومة «الاستقرار»، المكلّفة من مجلس النواب في يوليو (تموز) الماضي.

ويرى سياسيون أن هذه الخطوة «تعكس سيولة التحالفات السياسية بين المعسكرين المتنافسين»، وتتماشى مع إعادة تموضع سياسي وأمني للقوى الليبية في الجنوب، الممتد على الحدود الجنوبية مع دول الجوار والغني بالموارد الاستراتيجية.

نائب رئيس حكومة الوحدة في غرب ليبيا سالم الزادمة (متداولة)

وبهذا الخصوص، قالت العضوة السابقة في «المؤتمر الوطني العام»، نادية الراشد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يجري في الجنوب «يمثل جزءاً من إعادة رسم موازين القوى بين الشرق والغرب، تحسباً لأي مسار تفاوضي مقبل لتقاسم محتمل للسلطة».

وتذهب تقديرات بحثية صادرة عن «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، إلى أن الأحداث تأتي في سياق «استثمار الانقسامات المحلية، والتناقضات بين بعض القيادات المرتبطة بمعسكر الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، ضمن صراع أوسع للسيطرة على الإقليم الجنوبي، وتحويله إلى ورقة تفاوض في أي تسوية سياسية مستقبلية».

وتعد «عائلة الزادمة» من الأسر المؤثرة في الجنوب، حيث ينتمي أفرادها إلى قبيلة «أولاد سليمان»، التي حظيت بتحالف سابق مع حفتر. وإلى جانب سالم الزادمة، هناك شقيقاه حسن، وهو قيادي عسكري سبقت له قيادة إحدى كتائب «الجيش الوطني» في الجنوب، ورضوان، القيادي القبلي في المنطقة.

رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الفريق أول خالد حفتر خلال إفطار رمضاني مع عسكريين في جنوب غربي ليبيا (إعلام الجيش الوطني)

تاريخياً، اعتمد نظام القذافي على ترتيبات اجتماعية وأمنية محلية لإدارة الجنوب الليبي، وفي هذا السياق، يعيد «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية» التذكير بأن القذافي استعان بشخصيات قبلية ومحلية لضمان الاستقرار، على غرار تكليف مسعود عبد الحفيظ بإدارة مدينة سبها، التي تحولت في فترة معينة إلى منطقة خاضعة لإشراف أمني خاص لسنوات.

ولا ينفصل التحول السياسي الحاصل في الجنوب عن التطورات العسكرية، إذ تصاعد نشاط ما يعرف بـ«غرفة عمليات الجنوب» في مواجهة «الجيش الوطني الليبي» خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، خصوصاً بعد هجمات متزامنة، استهدفت 3 نقاط حدودية على الحدود مع النيجر نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي.

ومع استمرار الصراع الميداني، يتحدث الطرفان عن تحقيق تقدم في بعض المناطق، فيما تشير تقارير إلى دعم أطراف سياسية وإعلامية في غرب ليبيا لقائد «غرفة عمليات الجنوب»، محمد ودرقو، وهو دعم لم تُنفِه حكومة الدبيبة.

الباحث العسكري، محمد الترهوني، يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن ظهور «غرفة عمليات الجنوب» يعكس محاولة لإعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي، أكثر من كونه جهداً لترسيخ الاستقرار، متحدثاً عن «معلومات متطابقة عن دعم أطراف في غرب ليبيا لهذا التمرد في جنوب البلاد».

وفي السياق ذاته، يقول رئيس «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، أشرف عبد الله، إن «تشكيلات مسلحة في الجنوب تحركها حسابات مصلحية، أكثر من ارتباطها بمشروع سياسي واضح»، مشيراً إلى أن ولاءاتها تتغير وفق ميزان القوة والتمويل.

لكن مآلات هذا الصراع العسكري في الجنوب الليبي تبدو تحت رحمة «الطبيعة الجغرافية المعقدة للجنوب، التي تجعل السيطرة العسكرية الكاملة صعبة»، وفق عبد الله، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المساحة واسعة، والبنية الأمنية والاجتماعية ضعيفة، ما يحد من قدرة أي طرف على فرض سيطرة شاملة».

عبد الحميد الدبيبة يصافح أحد عناصر تشكيل مسلح في غرب البلاد (مكتب الدبيبة)

وبحسب توقعات «المركز البحثي الليبي»، فقد يسعى «الجيش الوطني» لتعزيز حضوره في الجنوب الشرقي، خصوصاً في مناطق الكفرة وجبل العوينات والقواعد العسكرية القريبة من تشاد، بينما تحاول القوات الموالية لحكومة الدبيبة توسيع نفوذها في الجنوب الغربي، نحو الجزائر والنيجر ومحيط غات والمعابر الصحراوية.

كما يحظى البعد الاقتصادي بحضور بارز في تفاعلات هذا الملف، إذ يلفت الباحث السياسي خالد الحجازي، إلى احتضان الجنوب حقولاً نفطية كبرى؛ مثل حقلي الشرارة والفيل، إلى جانب ثروات معدنية ضخمة مثل الذهب، ما يمنح السيطرة عليها وزناً اقتصادياً وسياسياً في أي مسار تفاوضي.

يشار إلى أن حقل الشرارة يعدّ الأكبر في ليبيا، إذ يصل إنتاجه إلى نحو 240 ألف برميل يومياً، بما يعادل نحو 25 في المائة من إجمالي إنتاج الخام في البلاد.

ولا يقتصر الصراع على المنافسة الداخلية؛ بل يتقاطع مع تحولات إقليمية ودولية. وبهذا الخصوص، تقول نادية الراشد إن «التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والتنافس الدولي على النفوذ، يجعلان الجنوب الليبي ورقة استراتيجية لإعادة تشكيل موازين القوى في ليبيا ودول الساحل والصحراء».

وبحسب الحجازي، فإن الجنوب أصبح ساحة تجاذبات إقليمية ودولية نظراً لأهميته الجيوسياسية، ونشاط شبكات التهريب والهجرة غير النظامية، بالإضافة إلى اضطرابات دول الجوار مثل النيجر وتشاد والسودان، ما زاد من اهتمام القوى الدولية بالمنطقة.


مقالات ذات صلة

ارتفاع أسعار الدواء في ليبيا يثير اتهامات بالفساد

شمال افريقيا أدوية مستوردة لدى وصولها إلى مخازن جهاز الإمداد الطبي في طرابلس فبراير الماضي (الصفحة الرسمية للجهاز)

ارتفاع أسعار الدواء في ليبيا يثير اتهامات بالفساد

تتزايد شكاوى مواطنين في ليبيا من الارتفاع اللافت في أسعار الأدوية بالسوق المحلية مقارنة بأسعارها في الدول الأوروبية المورّدة، في وقت تتصاعد فيه الاتهامات بفساد

علاء حموده (القاهرة)
الاقتصاد مجمع النفط والغاز التابع لشركة «مليته» الليبية قرب الزوراء بليبيا (رويترز)

ليبيا: مشروع الغاز بحقل «البوري» يبدأ الإنتاج في سبتمبر

قالت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا إن شركة «مليته» للنفط والغاز انتهت من أعمال التصنيع والتجميع لمُعدات مشروع استغلال الغاز بحقل «البوري».

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
شمال افريقيا جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة في طرابلس (المجلس)

ليبيا: «الأعلى للدولة» يشطب عضوين لاجتماعهما بـ«4+4»

في خطوة قد تزيد من تعقيدات المسار السياسي في ليبيا، أقدم المجلس الأعلى للدولة على شطب اثنين من أعضائه شاركا في لجنة «4+4» التي اجتمعت في روما، الأسبوع الماضي.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا العجمي العتيري الآمر السابق لكتيبة «أبو بكر الصديق» أمام قبر سيف الإسلام القذافي (صفحة العتيري على موقع فيسبوك)

«كان في خطر»... حارس سيف القذافي يكشف كواليس إقامته بالزنتان

أثار حديث لآمر كتيبة عسكرية ليبية في مدينة الزنتان تولت حماية سيف الإسلام القذافي قبل اغتياله حالة من اللغط، بعدما كشف عن «ضعف في عملية تأمينه».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا صورة وزعها «الجيش الوطني» لمتابعة صدام حفتر استعدادات ما قبل إطلاق المناورة 4 مايو

«الجيش الوطني» يستعد لإطلاق «أكبر» مناورة عسكرية في ليبيا

استعداداً لإطلاق مناورة عسكرية وصفت بأنها الأكبر في ليبيا، وجه صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» بـ«ضرورة الحفاظ على أعلى درجات الجاهزية والانضباط».

خالد محمود (القاهرة)

«المونوريل» يدعم شبكة النقل الجماعي في مصر

مصريون بانتظار ركوب «المونوريل» في أول أيام تشغيله (وزارة النقل)
مصريون بانتظار ركوب «المونوريل» في أول أيام تشغيله (وزارة النقل)
TT

«المونوريل» يدعم شبكة النقل الجماعي في مصر

مصريون بانتظار ركوب «المونوريل» في أول أيام تشغيله (وزارة النقل)
مصريون بانتظار ركوب «المونوريل» في أول أيام تشغيله (وزارة النقل)

في خطوة تعيد رسم خريطة النقل الجماعي بمصر، دشنت الحكومة مشروع «مونوريل شرق النيل» (القطار المعلق)، الأربعاء، حيث بدأ تشغيل مرحلته الأولى للجمهور.

وتشمل هذه المرحلة 16 محطة، تمتد من محطة المشير طنطاوي (القاهرة الجديدة) حتى محطة العدالة بالعاصمة الجديدة (شرق القاهرة)، ويأتي تشغيلها في إطار تشجيع استخدام وسائل النقل الجماعي بدلاً من السيارات الخاصة، وتوفير استهلاك الوقود، ‏‏وخفض معدلات التلوث البيئي وتخفيف الاختناقات المرورية بالمحاور والشوارع الرئيسية، ‏بحسب وزارة النقل.

ويأتي مشروع «المونوريل» إلى جانب القطار الكهربائي الخفيف والأوتوبيس الترددي (BRT) ضمن أهم وسائل النقل الجماعي الحديثة، التي دشنتها الحكومة على مدار السنوات الماضية، إلى جانب التوسع في إنشاء «مترو الأنفاق» الذي يخدم ملايين الركاب يومياً في القاهرة الكبرى، والتي يأتي إطلاقها ضمن خطط تطوير منظومة النقل في البلاد.

منظومة النقل

وعَدّ وزير النقل، كامل الوزير، خلال افتتاحه المشروع، أن «المونوريل» يشكل مرحلة هامة في منظومة النقل الجماعي، مشيراً إلى أن تنفيذه تم بالأماكن التي يصعب فيها تنفيذ خطوط المترو ووسائل النقل السككي الأخرى، كما يتميز بإمكانية تنفيذه بالشوارع التي لها انحناءات أفقية كبيرة.

ويبلغ الطول الإجمالي لمشروعي المونوريل (شرق / غرب النيل) 100 كم بعدد 35 محطة منها 22 محطة بمشروع شرق النيل، الذي تم تنفيذه من خلال تحالف مصري - فرنسي، كما تبلغ طاقة النقل للمشروع عند اكتماله 600 ألف راكب/يوم.

وزير النقل المصري كامل الوزير داخل أحد قطارات «المونوريل» (وزارة النقل)

وبينما نقلت الصفحة الرسمية لوزارة النقل توافد الركاب بمحطات «المونوريل»، لا سيما مع إتاحته مجاناً لمدة 3 أيام لتشجيع المواطنين على تجربة؛ ثَمّن عدد من مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي ما يحمله المشروع من مزايا، أبرزها دعمه بوسائل الراحة مثل العربات المكيفة، ووجود شاشات عرض داخل العربات التي يتم من خلالها تزويدهم بمعلومات عن الرحلة.

وأشار فريق آخر إلى أن هذه المزايا إلى جانب التكلفة المناسبة لركوبه تعد عامل جذب لهم لاستخدام «المونوريل» ووسائل النقل الجماعي الأخرى بدلاً من الاعتماد على سياراتهم الخاصة، وخصوصاً مع ارتفاع أسعار الوقود التي ترهق ميزانياتهم.

ورفعت الحكومة خلال مارس (آذار) الماضي أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وأشارت حينها إلى «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، التي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد، والإنتاج المحلي»، وفق بيان لوزارة البترول.

في المقابل، انتقد البعض أسعار تذاكر «المونوريل» المعلنة، التي تقدر بـ20 جنيهاً لركوب 5 محطات وترتفع إلى 80 جنيهاً لأكثر من 15 محطة، لافتين إلى أن تكلفتها تُعد مرتفعة نسبياً مقارنة بما اعتاد عليه المواطن.

«المونوريل» إضافة جديدة للنقل الجماعي في مصر (وزارة النقل)

إلى ذلك، ثمّن عدد من الإعلاميين تدشين «المونوريل»، وقال الإعلامي أحمد موسى عبر برنامجه التلفزيوني، مساء الثلاثاء، إن «المونوريل» يساهم في تقليل الزحام المروري، ويتيح للركاب تجربة مختلفة لمشاهدة المدينة من الأعلى خلال الرحلة، مشيراً إلى أنها المرة الأولى التي يتم فيها تشغيل هذه الشبكة في مصر.

بينما عَدّ الإعلامي أحمد سالم خلال برنامجه المتلفز، مساء الثلاثاء، أن افتتاح المشروع «خبر سعيد جداً»، لافتاً إلى أن الدولة منذ 2014 تبنت ملف تحديث النقل في البلاد.

وبحسب أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، حسن مهدي، فإن تشغيل المرحلة الأولى من مشروع «مونوريل شرق القاهرة» يمثل نقلة نوعية في منظومة النقل الجماعي، مشيراً إلى أن هذه الوسيلة الحديثة صديقة للبيئة وقادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الركاب.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الطاقة الاستيعابية القصوى لـ«المونوريل» ستصل إلى نحو 600 ألف راكب يومياً عند اكتمال تشغيل الخط بكامل محطاته، وهو ما سيخفف بشكل ملموس من الزحام المروري ويقلل من تكلفة وزمن الرحلة مقارنة بوسائل النقل التقليدية، مضيفاً أن «المونوريل» يتميز بانضباط مواعيده وجودة الخدمة المقدمة، فضلاً عن كونه وسيلة آمنة وسريعة توفر مستويات راحة عالية للركاب.

توافد الركاب بمحطات «المونوريل» عقب تشغيل مرحلته الأولى (وزارة النقل)

ويشير مهدي إلى أن الدولة لا تهدف إلى تحقيق أرباح من قطاع النقل الجماعي، إنما تقدم هذه الخدمة للمواطنين باعتبارها جزءاً من استراتيجيتها لتطوير البنية التحتية، مع التأكيد على ضرورة تغطية تكاليف التشغيل والصيانة لضمان استدامة المشروع وعدم تحوله إلى عبء أو مرفق مهمل.

ويوضح أن «مشروعات النقل الجماعي الحديثة لا تخدم فقط التنمية العمرانية، بل التنمية الشاملة؛ إذن السؤال الأساسي الذي يطرحه أي مواطن عند التفكير في الانتقال إلى مدينة جديدة هو كيف سأصل إليها؟... وهذه المشروعات، تقدم الإجابة العملية له، عبر توفير شبكة نقل قوية وفعالة تربط المدن الجديدة بالمراكز الحيوية، بما يعزز فرص العمل والدراسة والسكن ويواكب خطط الدولة للتوسع العمراني».


إحالة أوراق برلماني «إخواني» سابق إلى مفتي مصر تمهيداً لإعدامه

مرشد «الإخوان» محمد بديع خلف القضبان خلال إحدى جلسات محاكمته (أ.ب)
مرشد «الإخوان» محمد بديع خلف القضبان خلال إحدى جلسات محاكمته (أ.ب)
TT

إحالة أوراق برلماني «إخواني» سابق إلى مفتي مصر تمهيداً لإعدامه

مرشد «الإخوان» محمد بديع خلف القضبان خلال إحدى جلسات محاكمته (أ.ب)
مرشد «الإخوان» محمد بديع خلف القضبان خلال إحدى جلسات محاكمته (أ.ب)

أحالت محكمة جنايات المنيا (صعيد مصر)، الأربعاء، أوراق عضو سابق في مجلس الشعب (النواب حالياً) من جماعة «الإخوان»، إلى مفتي الديار المصرية لأخذ الرأي الشرعي في إعدامه، ما يمهّد الطريق لـ«إعدامه شنقاً»، بحسب قانونيين مصريين. وحددت المحكمة جلسة في شهر يوليو (تموز) المقبل للنطق بالحكم.

ويواجه البرلماني «الإخواني» السابق، من حزب الجماعة «الحرية والعدالة» الذي جرى حله، ويدعى محمد عبد العظيم أحمد مرزوق، اتهامات بـ«اقتحام وحرق مركز شرطة العدوة وقتل رقيب شرطة، وذلك في غضون عام 2013»، وفق ما جاء في أوراق القضية.

وأدرجت مصر «الإخوان» على قائمة «الكيانات الإرهابية» أكثر من مرة، كما حظرتها عام 2013. ويخضع مئات من قادة وأنصار الجماعة حالياً، وعلى رأسهم مرشدها العام محمد بديع، لمحاكمات في قضايا بمصر يتعلّق معظمها بـ«التحريض على العنف»، وقد صدرت في بعضها أحكام بالإعدام، والسجن المشدّد، والمؤبّد.

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

وذكرت التحقيقات في القضية أنه «خلال عام 2013 قام المتهم وآخرون بارتكاب أعمال عنف وتخريب في مدينة العدوة، شملت اقتحام وإضرام النيران في مركز الشرطة، والتحريض على العنف والانضمام لجماعة أُسست على خلاف أحكام القانون، وذلك عقب فض (اعتصام رابعة) بالقاهرة حينذاك».

وتعود وقائع «اعتصام رابعة» إلى عام 2013 عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، إثر مظاهرات شعبية حاشدة مناهضة لحكمه. وفي مواجهة تلك الاحتجاجات الشعبية، التي انحازت لها القوات المسلحة المصرية، تجمع معتصمون تابعون لـ«الإخوان»، بتعليمات من قادة الجماعة، في ميداني «رابعة» بمدينة نصر (شرق القاهرة)، و«النهضة» بمحافظة الجيزة (بالقرب من جامعة القاهرة) للضغط لإعادة مرسي للحكم.

وكانت محكمة جنايات المنيا أصدرت حكماً غيابياً في عام 2014 بإعدام البرلماني «الإخواني» السابق ضمن مجموعة أخرى من المتهمين. وعقب إلقاء القبض على المتهم بدأت إجراءات إعادة محاكمته «حضورياً»، وفقاً لما ينص عليه قانون الإجراءات الجنائية، لتنتهي المحكمة، الأربعاء، إلى تأييد تورطه في الجرائم المنسوبة إليه، وإرسال أوراقه للمفتي.

ويشار إلى أنه في يونيو (حزيران) 2014 قضت محكمة جنايات المنيا (حضورياً وغيابياً) بإجماع الآراء بإعدام 183 متهماً بينهم محمد بديع، ومحمد عبد العظيم وآخرين من عناصر الجماعة.

جانب من محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» في مصر (أ.ف.ب)

وطالب المحامي العام الأول لنيابات شمال المنيا في أمر الإحالة بالقضية بـ«تطبيق أقصى عقوبة نص عليها قانون العقوبات المصري ضد المتهم؛ نظراً لخطورة الجرائم الإرهابية المرتكبة التي استهدفت المنشآت الشرطية وأرواح رجال إنفاذ القانون».

«خلية أكتوبر»

في غضون ذلك، استكملت «الدائرة الأولى إرهاب» في القاهرة، الأربعاء، محاكمة 25 متهماً في القضية المعروفة إعلامياً بـ«خلية أكتوبر الإرهابية».

وبحسب أوراق القضية فإن «المتهمين تولوا قيادة جماعة إرهابية تهدف إلى الإخلال بالنظام العام وتعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، وتعطيل أحكام الدستور والقانون ومنع مؤسسات الدولة من ممارسة مهامها، فضلاً عن الاعتداء على الحريات الشخصية للمواطنين والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي».


سباق دبلوماسي أوروبي لحلحلة الأزمة الليبية

حفتر وسفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا خلال لقاء في بنغازي (حساب السفير عبر منصة «إكس«)
حفتر وسفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا خلال لقاء في بنغازي (حساب السفير عبر منصة «إكس«)
TT

سباق دبلوماسي أوروبي لحلحلة الأزمة الليبية

حفتر وسفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا خلال لقاء في بنغازي (حساب السفير عبر منصة «إكس«)
حفتر وسفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا خلال لقاء في بنغازي (حساب السفير عبر منصة «إكس«)

تسارعت التحركات الدبلوماسية الأوروبية في ليبيا خلال الأيام الأخيرة، في سباق مع الوقت بالتزامن مع تداول مبادرة أميركية منسوبة إلى مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، تستهدف إعادة هندسة السلطة بين شرق البلاد وغربها، في ظل استمرار الانقسام بين حكومتين، ومؤسستين متنافستين.

وشهد الأسبوع الأخير سلسلة زيارات متزامنة لسفراء الاتحاد الأوروبي، وفرنسا، وبريطانيا إلى كل من بنغازي، وطرابلس، في تحرك اعتبره سياسيون محاولة أوروبية لـ«جس نبض» الأطراف المحلية قبيل أي ترتيبات سياسية محتملة قد ترعاها واشنطن، وضمن مساعٍ أوسع لحلحلة الأزمة الليبية.

ولا يستبعد الدبلوماسي الليبي السابق إبراهيم قرادة، مدير «المعهد الدولي للبحوث والدراسات الليبية»، أن تعكس التحركات الأوروبية الأخيرة «رغبة في استكشاف فرص التوصل إلى تسوية محتملة بين معسكري قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر ورئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، في ضوء مبادرة بولس».

وتقوم المبادرة المتداولة، والمنسوبة إلى بولس، على صيغة لتقاسم السلطة تتضمن تعيين نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر رئيساً للمجلس الرئاسي، مقابل احتفاظ الدبيبة بمنصبه رئيساً للحكومة.

وأدرج «المعهد الدولي للبحوث والدراسات الليبية» هذه المساعي الأوروبية ضمن عدة سيناريوهات، من بينها «إنجاح هذه المبادرة الأميركية، أو إفشالها، أو ربما تطويرها عبر رسائل دبلوماسية من العواصم الغربية، وبناء مواقف حيال هذه المبادرة في ظل تطورات الوضع في الشرق الأوسط»، وفق ما تحدث به لـ«الشرق الأوسط».

وينوه قرادة إلى أن مهمة «الدبلوماسيين الأوروبيين لا تقف عند نقل الرسائل من عواصم بلادهم، بل أيضاً استكشاف رسائل الأطراف الليبية الرافضة والمترقبة للمبادرة الأميركية»، كما يلفت إلى أهمية «متابعة تحركات الدبلوماسيين والمبعوثين الأوروبيين في دول الجوار، وتركيا راهناً، لما قد تحمله من تفاعلات مهمة تتقاطع مع التطورات الأخيرة في الملف الليبي».

ويعتقد أن أوروبا تنظر باهتمام إلى التوازن الأمني القائم، في ظل ارتباط ليبيا بملفات حساسة بالنسبة للقارة الأوروبية، على رأسها الهجرة غير النظامية، والطاقة، والإرهاب، والجريمة غير المنظمة العابرة للحدود، والوجود الروسي في أفريقيا، مشيراً إلى أن العواصم الأوروبية تحرص في الوقت ذاته على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع جميع الأطراف الليبية.

وخلال زيارته إلى شرق ليبيا، ناقش سفير الاتحاد الأوروبي نيكولا أورلاندو مع المشير حفتر، ونجليه رئيس الأركان خالد حفتر ورئيس «جهاز تنمية وإعمار ليبيا» بلقاسم حفتر، ملفات تصدرها سؤال «كيف يمكن للاتحاد الأوروبي أن يسهم في دعم جهود المبعوثة الأممية هانا تيتيه من أجل الدفع نحو إجراء الانتخابات الوطنية، وتعزيز الوحدة؟»، وفق ما قال الدبلوماسي الأوروبي.

كما تطرق أورلاندو مع السلطات في شرق ليبيا إلى ملفات تتعلق بمكافحة الهجرة غير النظامية، والتهريب، والجريمة المنظمة، إضافة إلى التعاون في مجالات مكافحة الإرهاب، وتعزيز إدارة الحدود، والتنمية المحلية.

وفي طرابلس، حملت لقاءات أورلاندو طابعاً مختلفاً، إذ بحث مع وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية، وليد اللافي، عقب عودته من روما في مباحثات ترعاها الأمم المتحدة لحل الأزمة، تطورات مسار توحيد الإطار المالي، إلى جانب الدعم الأوروبي المحتمل لمناورات «فلينتلوك 2026» التي رعتها الولايات المتحدة بين قوات من شرق وغرب ليبيا الشهر الماضي.

ومن منظور المحلل السياسي الليبي ناصر أبو ديب، فإن الزيارات الأوروبية المتواترة تترجم «رغبة واضحة لدى العواصم الأوروبية في البقاء طرفاً فاعلاً في الملف الليبي، وعدم ترك المجال للولايات المتحدة، وتحديداً لمسعد بولس، للانفراد برسم الترتيبات السياسية داخل البلاد».

ويذهب أبو ديب إلى الاعتقاد بأن «أوروبا تعتبر نفسها شريكاً رئيساً في مختلف المحطات السياسية الليبية منذ سنوات، بدءاً من مؤتمري برلين، ومروراً بمؤتمر باريس، ووصولاً إلى اتفاق جنيف، رغم تعثر تنفيذ كثير من مخرجات تلك المسارات على الأرض».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن التحركات الحالية ترتبط أيضاً بتشابك المصالح الاقتصادية والاستراتيجية داخل ليبيا، خصوصاً في قطاعات النفط، والبنية التحتية، فضلاً عن الأهمية الجيوسياسية للبلاد باعتبارها بوابة جنوبية لأوروبا، ونقطة ارتكاز مؤثرة في العمق الأفريقي.

واستبعد أبو ديب أن يطرح الاتحاد الأوروبي مبادرة سياسية مستقلة في الوقت الراهن، لكنه رأى أن الدول الأوروبية «لا تريد انفراد الولايات المتحدة بالملف الليبي»، وتسعى إلى ضمان حضورها في أي ترتيبات سياسية، أو اقتصادية مقبلة».

ولم تقتصر التحركات الأوروبية على بعثة الاتحاد الأوروبي، إذ أجرى السفير الفرنسي تييري فالا لقاءين في بنغازي مع المشير حفتر، ونجله خالد، أكد خلالهما دعم باريس لاستقرار ليبيا، ووحدتها، وسيادتها، إلى جانب بحث تعزيز التعاون العسكري، والأمني.

وفي المقابل، التقى السفير البريطاني مارتن رينولدز رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة، مؤكداً أهمية تعاون جميع الأطراف الليبية للتوصل إلى «حل مستدام، وشامل».

ويرى المحلل السياسي صلاح العبار أن المواقف الأوروبية، رغم تباينها بين باريس وروما ولندن في الملف الليبي، تلتقي عند أولوية أساسية تتمثل في منع انزلاق ليبيا مجدداً إلى الفوضى، متحدثاً خصوصاً عن التعاطي الأوروبي مع القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر الذي بدا، وفق تقديره، «ضرورة تفرضها معادلات الواقع».

وقال العبار لـ«الشرق الأوسط» إن العواصم الأوروبية بدأت تميل إلى مقاربة أكثر واقعية للمشهد الليبي، بعدما أثبتت السنوات الماضية أن أي مسار سياسي أو حديث عن الانتخابات لا يستند إلى قاعدة أمنية مستقرة يظل عرضة للتعثر.

وخلص إلى القول إن «لقاءات السفراء الأوروبيين في بنغازي وطرابلس تعكس إدراكاً متزايداً أن معادلة الاستقرار في ليبيا لا يمكن أن تقوم على ترتيبات سياسية شكلية فقط، بل على توازنات القوة الفعلية على الأرض»، مشيراً إلى أن الأولوية الأوروبية باتت تتركز على تثبيت الاستقرار ليكون مدخلاً لأي عملية سياسية أو انتخابية مستقبلية.