«كورونا»... الإيمان وحكمة البشر

«كورونا»... الإيمان وحكمة البشر

الاثنين - 28 رجب 1441 هـ - 23 مارس 2020 مـ رقم العدد [15091]

قبل أشهر غيّرتُ شركة الهاتف. في اتصال إنهاء الخدمة أخبرتني الموظفة بأن عليّ تسديد 60 جنيهاً إسترلينياً قيمة مكالمة دولية واحدة. لم أتذكرها. بمراجعة فواتير الشركة في أشهر سابقة اكتشفت أنني فعلت هذا مرّات من دون أن أنتبه. كلها المرات في موعد اجتماع العمل الصباحي الذي أجريه مع زملاء عبر «سكايب». أحياناً نحتاج إلى الهاتف بالإضافة إلى «سكايب» للحصول على صوت أفضل. ويبدو أنني بدلاً من استخدام خدمة «فيستايم» المجانية، استخدمت الخدمة العادية بطريق الخطأ.
نعقد هذا الاجتماع الصباحي يومياً، أي نحو 25 مرة شهرياً. قبل التطور الضخم في تكنولوجيا الاتصالات في العقد الأخير كنا سندفع 21600 دولار سنوياً قيمة الاتصال الصوتي فقط، في مكالمة بين طرفين لا أكثر. لكننا حالياً نُجري الاتصال صوتاً وصورة بالمجان، وبين أكثر من موقع يفصل بينها آلاف الأميال. المبلغ المذكور أعلاه يكفي لتجهيز استوديو منزلي لإنتاج فيديو وبودكاست، تكلفة إنتاجهما في السابق كانت مبلغاً خيالياً من الصعب على فرد عادي تحمله، وأغلى من هذا بثه لمشاهدين. الآن تنتج الفيديو وتنشره من غرفة بسيطة.
التكنولوجيا التي اخترعها البشر حسّنت حياتهم. وسهّلت تنقلهم. ووفّرت لهم فرص عمل. كما أنها ساعدتنا أيضاً على تجنب الأوبئة التي انتشرت عبر القرون، كالإنفلونزا الإسبانية والموت الأسود والطاعون. ليست التكنولوجيا ولا الحياة الحديثة السبب في الأوبئة كما يشيع أناس، بل وفّرت لنا معرفة لمكافحتها وتحجيم دورها، كما وفّر لنا النمو الرأسمالي فائضاً للإنفاق على جهود العلاج، وللإنفاق على أبحاث ابتكار لقاحات. متوسط تكلفة اللقاح في حالة مثل «كورونا» نحو ملياري ونصف المليار دولار، أخذاً في الاعتبار عشرات التجارب التي تفشل فلا نسمع عنها، لكنها تراكم لنا معرفة نستخدمها لإنتاج اللقاح الناجح. تكلفة اللقاح الناجح، في شركة واحدة، من بداية العملية إلى نهايتها تتراوح بين 200 مليون و500 مليون دولار.
مع انتشار فيروس «كورونا» لام البعض على وسائل التواصل أنها تنقل معلومات مغلوطة، وأحياناً مغرضة، من أشخاص يفعلون ذلك عن جهل، أو عن سوء نية وحقد. وهذه حقيقة. لكنها ضئيلة إنْ قورنت بالمنافع العظيمة التي منحتنا إياها التكنولوجيا في نشر التوعية، ومساعدتنا على إدراك الخطر.
بصفة شخصية أدركت مبكراً، من متابعتي للإجراءات الصارمة والصعبة التي اتخذتها دول في بداية انتشار الفيروس، أن شيئاً خطيراً يحدث. في زمن آخر لم أكن لأطّلع على مثل تلك القرارات، بمثل تلك الكثافة. قلت لنفسي ربما لا تريد القيادات السياسية التسبب في هلع، لكن بالتأكيد لديها معلومات وتقارير تدفعها إلى اتخاذ قرارات بهذا الحسم والحزم.
هذه المنفعة الأخرى التي يجب أن نلتفت إليها في زمن «كورونا»، منفعة القيادة العقلانية الجادة. مستويات الوعي العام تختلف بين الشعوب، وبين الفئات المختلفة في نفس الشعب. البعض يستجيب للمعلومة ويعرف أن عليه التصرف بطريقة معينة، والبعض يستخف بها، والبعض لا يكتفي بالاستهتار، بل يريد أن يقاوم الإجراءات الصحيحة بدعاوى مختلفة، ناشراً دعاية مضرة لو استجاب الناس لها.
وأحد أصعب مشوشات القرار، الوازع الديني. الظن بأن الإذعان للحكمة البشرية فيه تحدٍ للإيمان. رأينا ذلك بين مسيحيين في كنائس في كوريا الجنوبية وفي أميركا، بين يهود في القدس، وبين مسلمين في إيران وماليزيا والقاهرة. التشويش لدى البعض لم يستثنِ ديناً من الديانات الكبرى.
القرار بإغلاق دور عبادة لن يكون أبداً قراراً سهلاً، فما بالك لو كان المكان ذا قدسية خاصة تهوي إليه أفئدة ملايين. لكنه القرار السليم. الحكمة البشرية التي ينبغي لك إنْ كنت مؤمناً أن تعدّها تجلياً إلهياً يحفظ للبشر حياتهم، لا أن تتحداها وتصر على أن ما تقوله فئة قليلة من رجال الدين - أقل علماً وإحاطةً بالحقائق والتقارير العلمية - هو المعبّر عن إرادة الله.
النادرة المشهورة تقول إن رجل دين وقف في بلدة يفر الناس منها بسبب إعصار قادم. مر به شخص في سيارة وعرض عليه مكاناً في سيارته، فرفض لأن الله سينجيه. مرت عليه أسرة في طريقها إلى المطار وعرضت عليه مكاناً، فرفض لأن الله سينجيه. ومرت عليه رحلة في طريقها إلى المرفأ، فرفض لأن الله سينجيه. ثم مات. فناجى الله سائلاً: لِمَ لمْ تنجني؟ وكانت الإجابة: لقد أرسلت لك سيارة وطيارة وسفينة.
هكذا التكنولوجيا. وهكذا القيادة العقلانية. في كليهما حكمة بشرية لصالحنا جميعاً.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو