جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

إيطاليا و«كورونا» وتعدد الأزمات

المثل القائل «كل الطرق تؤدي إلى روما»، يمكن في ظل الظروف الراهنة تحويره قليلاً ليصير «كل خيوط أزمة وباء الكورونا تقود إلى روما». وبالتأكيد، فبرغم أن إيطاليا ليست البلد المصدر الذي انبثق منه الفيروس القاتل، لكنها، ولسوء حظها، كانت أكثر بلدان أوروبا تضرراً من انتشار الفيروس صحياً، والبلد الأوروبي الأول الذي كشف حلول الفيروس به هشاشته اقتصادياً، هذا أولاً. أما ثانياً، فإن حلول هذه الأزمة وتداعياتها صحياً وسياسياً واقتصادياً في إيطاليا كشفت، في نفس الوقت هشاشة ملحوظة في العلاقة بين دول الاتحاد الأوروبي.
لدى استفحال الفيروس، وارتفاع أعداد المصابين، وتفاقم أعداد الموتى، بادرت السلطات الصحية الإيطالية بمناشدة حلفاء إيطاليا وأصدقائها بالإسراع بتقديم أيادي العون والمساعدة بالمواد الطبية الطارئة. وبينما كان المسؤولون الإيطاليون في انتظار وصول المساعدات من الغرب، جاءتهم المساعدات، يوم الخميس الماضي، من أقصي الشرق، وتحديداً على متن طائرة قادمة من مدينة شنغهاي بالصين، محملة بـ31 طناً من المساعدات الطبية، مرفوقة بفريق طبي.
وحينما توجهت الحكومة الإيطالية رسمياً بطلب إلى الاتحاد الأوروبي للحصول على مؤن طبية عاجلة، وفقا لـ«آلية الازمة الأوروبية الخاصة»، لم تتلقَ استجابة واحدة من أي بلد عضو في الاتحاد. بل إن ألمانيا قامت بمنع تصدير الأقنعة الطبية، وغيرها من أجهزة الحماية، وقامت النمسا بغلق حدودها مع إيطاليا، من دون تشاور مع روما. هذه الردود السلبية، فاقمت من شعور الإيطاليين بالخذلان من أصدقائهم وحلفائهم، وزادت من أحساسهم بإحباط بدأ يتراكم منذ سنوات.
في عام 2003 لدى مواجهة دول أوروبا لموجة حرارة عالية أدَّت إلى مقتل حوال 50 ألف شخص، وصل عدد الموتى الإيطاليين ضمنهم إلى 18 ألف شخص. أي أنَّ شخصاً من كل 3 أشخاص ماتوا بسبب الحر كان أيطالياً. أضفْ إلى ذلك تخاذل دول الاتحاد الأوروبي في مساعدة إيطاليا، وتقاعسهم في تحمل تقاسم أعباء الأعداد الهائلة من المهاجرين القادمين على قوارب عبر البحر المتوسط من الساحل الليبي عام 2015.
مشكلة إيطاليا أن 23 في المائة من عدد سكانها البالغ 60 مليون نسمة من كبار السن، وهذه النسبة العالية هي السبب وراء ارتفاع عدد الموتى خلال موجة الحر عام 2003، وأزمة فيروس كورونا الحالية.
واقتصادياً، تعد إيطاليا أكبر ثالث اقتصاد بين اقتصادات الاتحاد الأوروبي، لكنها، استناداً للكاتب البريطاني توني باربر، الوحيدة من بين أعضاء الاتحاد التسعة عشر التي لم تتعافَ بعدُ من أزمة الدين السيادي الناجم عن الأزمة المصرفية العالمية لعام 2010، التي أدَّت إلى تقليص الاقتصاد الإيطالي بنسبة الربع. جذور هذا الضعف أعمق من ذلك لأنَّ نمو الاقتصاد الإيطالي يكاد يكون منعدماً خلال العشرين عاماً الأخيرة من وجود الاتحاد الأوروبي. الأسباب تكاد تكون معروفة للجميع: انتاجية منخفضة. نظام تعليمي غير ملائم. نظام قضائي غير كفؤ. الفساد والجريمة المنظمة. وهي كلُّها مشاكل ليست جديدة، وبتاريخ موثق وطويل.
الإجراءات الصحية الطارئة التي قامت بها الحكومة الإيطالية للحدّ من انتشار الفيروس، وتقليص الإصابات وعدد الموتى ضرورية، وأساسية لكنَّها، وفقا لتقارير إعلامية، من المحتمل أنَّ تسبب أضراراً اقتصادية قد تكون مهلكة خاصة لفئة القطاع التجاري العائلي التي تعتمد على التعامل اليومي مع الزبائن نقداً، وتتعرَّض لما يشبه الموت حالياً بسبب الحجر الصحي المفروض. وهذا ما حدا برئيس الوزراء جوزيبي كونتي يوم الاربعاء الماضي لتخصيص مبلغ 25 مليار يورو، 1.4 من حاصل الدخل الإجمالي القومي، لحماية الاقتصاد من التهديدات.
الخبراء الاقتصاديون، في إيطاليا وخارجها، يؤكدون أنَّ هذا الاجراء الطارئ لن يكون كافياً، لاعتقادهم أنَّ إيطاليا ستكون عرضة لمخاطر أكبر وأكثر من هذه الأزمة، لذلك يقترحون ضرورة طلب الحكومة مساعدة مالية طارئة من ميزانية الانقاذ المخصصة لدول منطقة اليورو، وكذلك من صندوق النقد الدولي. وهذا يعني مئات المليارات، الأمر الذي يجعلُ من غير الممكن عملياً الحصول على موافقة الدول الأعضاء، نظراً لما تعانيه حالياً علاقاتها من انقسامات حول الإصلاحات المقترحة لمنطقة اليورو، وسياسات اللاجئين، وغيرها من القضايا ذات الصلة بالسيادة الوطنية. وحتى في حالة موافقتها فإنَّ المساعدات ستكون مقيدة بشروط صعبة، لا تختلف عن تلك التي فرضت على اليونان والبرتغال وآيرلندا، لإنقاذ اقتصاداتها من الانهيار في الفترة ما بين 2010-2013، على رغم اختلاف طبيعة الأزمة الإيطالية الحالية عن الأزمات في تلك البلدان الثلاثة. فإيطاليا، في حقيقة الأمر، لا يمكنها تحمل أعباء اللوم في أزمة سببها تفشي وباء. ولعلنا لا ننسى أنَّ أحد نتائج عمليات الإنقاذ تلك، أنَّها شجَّعتْ على تنامي قوى اليمين القومي، وتصاعد الحركات الشعبوية.
تصريح رئيسة البنك الدولي السيدة كريستين لاغارد يوم الخميس الماضي، بأنَّه لم يعد من ضمن مهامها الحفاظ على بقاء إيطاليا في منطقة اليورو، يوضح أنَّ عملية الانقاذ المقترحة ليست بالسهولة المتصورة، وأنَّ المهمة الملقاة على كاهل الحكومة الإيطالية ستكون أكثر ثقلاً مما تعودت على حمله سابقاً من أحمال.