«مكر التاريخ»: صندوق النقد الدولي ولبنان

«مكر التاريخ»: صندوق النقد الدولي ولبنان

الخميس - 17 رجب 1441 هـ - 12 مارس 2020 مـ رقم العدد [15080]

تتردد السلطة اللبنانية كثيراً في مقاربة صندوق النقد الدولي ومفاتحته بالحاجة إلى مساعدته في إخراج الاقتصاد اللبناني من الكارثة التي أوقعته فيها سياسات رعناء، وسياسيون أكثر رعونة. ويبدو «الصندوق» ملاذاً أخيراً ووجهة لا بديل عنها - أو هكذا تقول الأسطورة الرائجة هذه الأيام - إذا أراد اللبنانيون إنقاذ ما تبقى من هياكل الدولة ومن ودائع في المصارف.
فقد أعلن رئيس الوزراء حسّان دياب مساء السبت في السابع من مارس (آذار) «تعليق» لبنان سداد ديونه بامتناعه عن دفع أكثر من مليار دولار كان يتعيّن تسديدها في التاسع من مارس بعدما وصل الاحتياط النقدي إلى مستوى حرج يهدد قدرة لبنان على استيراد حاجاته الأساسية من غذاء ودواء. لكن دياب لم يشر إلى الخطوات التالية على قرار تعليق السداد. فاستعان بالفصاحة للتهرب من إعلان برنامج علاج الأزمة الخانقة التي توشك أن تقضي على كامل الاقتصاد الوطني بما فيه نظامه المصرفي الذي أقنع اللبنانيين أنه أكبر من أن يسقط أو يهدد أموالهم وأذكى من أن يخطئ ذات الأخطاء التي وقع فيها والتي يدرسها طلاب الاقتصاد في سنواتهم الأولى، خصوصاً ما يسمى «نموذج بونزي»، الذي انخرط المصرفيون وبإشراف مصرف لبنان المركزي وتشجيعه وهو الذي كان يفترض به زجرهم عن الاقتراب من هذه الممارسة الخرقاء.
المهم اليوم أن الطريق التقليدي للخروج من الأزمات والذي كان لبنان يسير عليه في الماضي قد سدّ. فبعدما فقد هذا البلد قيمته الاستراتيجية في الصراعات الإقليمية والدولية وبعدما باتت مؤسساته السياسية والأمنية الرئيسية من العناصر الرئيسية في «محور المقاومة»، لم يعد من شيء يقنع «الإخوة العرب» بالاستجابة لتوسلات وتسولات السياسيين اللبنانيين. يضاف إلى ذلك أن اللبنانيين قد أهدروا عقوداً عدة من دون أن يصوغوا لوطنهم وظيفة اقتصادية تستجيب للمتغيرات الهائلة التي شهدتها المنطقة، والتي تعرى لبنان في نتيجتها من أدواره السابقة في التجارة المثلثة والوساطة المالية والخدمات المصرفية. فقدان القيمة الإقليمية وفوات الفهم اللبناني للتطورات في الشرق الأوسط والتمسك برهان على تسنم موقع متقدم في اقتصاد المنطقة، وهو ما أثبتت الأحداث مرات متتالية فشله، لم تشكل معطيات كافية لإعادة السياسيين اللبنانيين وجماهيرهم الطائفية النظر في الكيفية التي يستطيع بها هذا البلد الفقير متابعة العيش في أوهامه عن فرادته وعظمة ثقافته ودوره الرائد في تحديث المشرق العربي وما يدخل في هذا الباب من هلوسات انهارت بفعل صرخات المتظاهرين الغاضبين في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019.
وعلى غرار الباب العربي الموصد، لا مجال لمجرد المحاولة في قرع الباب الأوروبي. المحاولة الأوروبية والدولية الأخيرة لمساعدة لبنان كانت في مؤتمر «سيدر» في 2018 لكن المانحين الأوروبيين اشترطوا «القيام بإصلاحات جدية»، تضع حداً لفساد الإدارة والسلطة السياسية المتحكمة بها. وهذا ما امتنعت الأخيرة عن السير ولو خطوة واحدة في اتجاهه فوقع الانهيار المنتظر.
لم يبق من مُساعد، إذن، غير صندوق النقد الدولي الذي لا يتدخل إلا بناء على طلب الدول السائرة نحو الفشل الكامل في تدبير شؤونها اليومية كلبنان. لكن ذلك يعيدنا إلى التردد الذي تبديه الحكومة الحالية في طلب النجدة من الصندوق، وهو تردد كانت لتقع فيه أي حكومة من أي طيف سياسي آخر. لم تطلب حكومة حسان دياب من الصندوق حتى اليوم سوى «مساعدة فنية» لا ترقى إلى حد برنامج قروض مشابه لما طلبته دول متعثرة أخرى. مع ذلك، تتعرض كل خطوة في اتجاه الصندوق إلى حملة تنديد تنطوي على مستويين ظاهر وباطن. الظاهر من الحملة المعارضة يتأسس على التجارب الفاشلة للصندوق في العديد من دول العالم، حيث تلخص برنامجه بإجراءات تقشف تسببت في تحميل الفئات الفقيرة أعباء الإصلاح المالي وانتهت في العديد من الحالات، مثل دول جنوب شرقي آسيا في 1997 والأرجنتين في 2001، بتفاقم سوء الأحوال وتزايد الاضطرابات الاجتماعية والسياسية، إضافة إلى تبني «الصندوق» آيديولوجيا اقتصادية جامدة لا تأخذ في الاعتبار المعطى الإنساني وتقتصر على تصحيح الخلل الدفتري في جداول الموازنات.
لكن الجانب الباطن من حملات الاعتراض في لبنان تذهب إلى ما هو أعمق من ذلك. فصندوق النقد يطالب السلطات غالباً بضبط دقيق لمداخيلها ومواردها ونفقاتها. ويشمل ذلك مكافحة للفساد ورقابة على الضرائب والعائدات الجمركية والرواتب، ناهيك طبعاً عن النفقات الاجتماعية من صحة وتربية ورواتب تقاعدية. ويدرك السياسيون اللبنانيون أن الجانب الأول، المتعلق بضبط الموارد ووجوه الإنفاق يهدد شبكات التوزيع الطائفية التي تستفيد من مؤسسات الدولة وبالأحرى من فسادها في تمويل الزعامات التقليدية. من ذا الذي يستطيع، على سبيل المثال، فرض رقابة شفافة على ملف استيراد المشتقات النفطية والمحروقات في لبنان؟ ولا يخفى أن نحو ملياري دولار تذهب سنوياً لشراء الوقود لمؤسسة كهرباء لبنان في حين يشكو البلد من انقطاع مزمن للتيار الكهربائي. وأصبح سراً شائعاً أن القوى السياسية - الطائفية تتقاسم أرباح الاستيراد وأنها تصر على الحفاظ على الإوزة التي تبيض لهم ذهباً، والمسماة استيراد الوقود للكهرباء. وهذا مثال واحد لا أكثر لكنه يكفي لتفسير التردد في طلب مساعدة صندوق النقد الدولي.
عليه، يبدو الصندوق هنا كلاعب في السياسة الداخلية اللبنانية وليس فقط مشرفاً على برنامج اقتصادي لا يخلو من الإجحاف بحق الفقراء. بل يبدو نموذجاً مثالياً لـ«مكر التاريخ» (بتعبير هيغل)، حيث تظهر عوامل من خارج المعطيات العامة لتدفع مسارات الأحداث في اتجاهات مغايرة لما تصوره الفاعلون. صندوق النقد الدولي يهدد، بهذا المعنى، نظام النهب المنظم للمال العام الذي أسسته الجماعة السياسية الحاكمة في لبنان منذ زمن بعيد. وهو ما لا يريد أي من أطراف السلطة السير نحوه، من دون أن يفهم من ذلك أن صندوق النقد قد انقلب جمعية خيرية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة