بروكسل تكره نموذج أعمال «فيسبوك»

بروكسل تكره نموذج أعمال «فيسبوك»

الأربعاء - 25 جمادى الآخرة 1441 هـ - 19 فبراير 2020 مـ رقم العدد [15058]
ليونيل لورانت
كاتب من خدمة «بلومبيرغ»

ليس من المستغرب أن تلقى زيارة مارك زوكربيرغ شبه الرسمية إلى بروكسل استقبالاً بارداً وفاتراً من قبل مسؤولي الاتحاد الأوروبيإ إذ يطالب المؤسس المشارك لشركة «فيسبوك» بالمزيد من الترتيبات لتسوية ما يعتبره هو وأكبر مؤيديه – نك كليغ – بأنه فشل في السياسة العامة: إن كان بإمكان الحكومات الموافقة على كيفية تنظيم الإنترنت من دون التأثير على حرية التعبير، فسوف تستعد شبكة «فيسبوك» للتواصل الاجتماعي على الفور للامتثال.
وهذا التحليل ليس بالجديد، وهو يخطئ بصورة كبيرة في تشخيص المشكلة تماماً من وجهة النظر الأوروبية: إن الأمر يتعلق بنموذج أعمال «فيسبوك»، والذي يحشد البلايين من أفكار المستخدمين وأنماط سلوكياتهم الخاصة بغية استهداف الإعلانات بشكل أفضل، وهنا تكمن المشكلة. وهي المشكلة التي تحاول شبكة «فيسبوك» الاجتماعية الدفع بها إلى هامش الأحداث نظراً للتكاليف المترتبة على ذلك. وبالاستناد إلى تقرير «فيسبوك» الأخير من 22 صفحة بشأن تنظيم المحتوى عبر الإنترنت، وخطابات مارك زوكربيرغ المعلنة، فإن الشركة ترى مغامراتها الخاطئة على اعتبارها أعراضاً مجردة لمرض أكبر شائع عبر الإنترنت. فإذا تمكنت الجهات الرقابية من وضع تعريف محدد للمحتويات الضارة أو غير القانونية، ووضع القيود على حرية التعبير، مع تحديد الأهداف الخاصة بمراقبة الجودة التي ينبغي على منصات التقنية فرضها على محتويات شبكاتها الاجتماعية – فضلاً عن القيام بذلك على الصعيد العالمي – فإن النتائج سوف تكون واضحة للغاية. وبعيداً عن نقصان التفاصيل الواردة والمزيد من حوارات أصحاب المصالح، فمن شأن رؤية «فيسبوك» رفع العوائق عن دخول المنافسين الأصغر شأناً إلى السوق التي تسيطر عليها بالفعل حفنة من كبار اللاعبين، في حين تواصل الاستفادة من التأثيرات المهمة للمحافظة على عمل تطبيقات «واتس آب» و«إنستاغرام» تحت مظلة واحدة. وسيطرت كل من شركة «فيسبوك» و«غوغل» سوياً على أكثر من نصف إيرادات الإعلانات الرقمية في عام 2018 وحده.
ومن شأن الترتيبات الرقابية المناسبة للجميع أن تعد مثالية بالنسبة للشركة التي تعمل على النطاق العالمي والتي تفاخر بضم بلايين المستخدمين، ومصفوفة كاملة من التطبيقات المترابطة التي لا غنى عنها لأحد الآن، مع الخطط المعنية بإطلاق عملتها الرقمية الخاصة من أجل الإمعان في حبس الناس داخل حديقتها الخاصة المسورة. وسوف تقل المخاوف كثيراً من فكرة قابلية انتقال البيانات – حتى وإن كان للمستخدمين حرية المغادرة بكافة البيانات وجهات الاتصال الخاصة بهم، فإلى أي مكان آخر سيذهبون على أية حال؟ وربما تسعد شركة «فيسبوك» كثيراً بالضغط على الأغراض الرقابية والتنظيمية صوب مشرفي المحتويات الزائدة على الحد والذين يبلغ عددهم نحو 30 ألف مشرف. ولا عجب في أن المفوض الأوروبي تيري بريتون قد رفض أفكار مارك زوكربيرغ مع وصفها بأنها بطيئة للغاية ومتدنية للغاية من حيث المساءلة. فإن المسألة الخافية تماماً عن أعين زوكربيرغ هي نموذج الأعمال الخاص بشركته، وهو الأمر الوحيد والحقيقي الذي يريد الاتحاد الأوروبي من الشركة التعامل معه ومعالجته.
يقول مارك زوكربيرغ إنه لا يمكنه تحمل المسؤولية الكاملة عن 100 مليار جزء من المحتوى – ولكن هذا ليس صحيحاً في الحقيقة. بل إن الأمر أكثر إيلاماً للغاية من ذلك – وربما على نحو وجودي – بالنسبة لاقتصاديات الشركة من حيث توظيف المشرفين الضروريين، والمهندسين اللازمين لتنفيذ متطلبات الاتحاد الأوروبي. وتكمن فكرة زوكربيرغ في أن شركة «فيسبوك» تقف في موضع ما بين الصحيفة ومشغل الاتصالات هي بالضبط نفس الرؤية التي ترفضها الجهات الرقابية الأوروبية؛ إذ أنهم يميلون كثيراً إلى رؤية «فيسبوك» من زاوية الشركة المعنية بالخدمات المالية في المقام الأول، حيث تتعارض ودائع المستهلكين القيمة – أو البيانات الشخصية بمعنى آخر – ضد أنشطة المضاربة المحفوفة بالمخاطر، مثل الإعلانات المستهدفة والقوة الاحتكارية الكامنة وراءها. فضلاً عن أن المخاطر النظامية تستلزم التدقيق والرقابة الشاملة.
وهنا يكمن التحدي الماثل أمام القيادة الأوروبية في بروكسل. فإلى الآن، كان إجمالي الإجراءات الرقابية المتخذة ضد شركة «فيسبوك» يشبه «الموت تحت أرجل البط»، وهو التعبير الذي أعرب عنه مؤخراً روجر ماكنامي، أحد أوائل المستثمرين في شركة «فيسبوك». وانخفض سعر سهم «فيسبوك» في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي بعد ظهور نتائج تباطؤ النمو وارتفاع النفقات في الشركة، لكن الأسعار رجعت إلى سابق عهدها منذ ذلك الحين. ولا تزال قيمة الشركة السوقية تبلغ 610 مليارات دولار، مع هامش دخل صافٍ يبلغ 35 في المائة ذلك الذي يدلي بإيرادات قيمتها 20 مليار دولار أميركي في الفصل الواحد.
وأسفرت تحديات أصحاب المصالح لإدارة الشركة عن اصطدامها بالجدار القوي الذي شيده زوكربيرغ عبر سيطرته الصارمة على حقوق التصويت. وعلى الرغم من دعوات بعض الساسة الأميركيين إلى تقسيم شركة «فيسبوك»، إلا أنه هناك تقارب متزايد بين مصالح زوكربيرغ وطموحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجيوسياسية.
وأسفرت المحاولات الأوروبية في فرض الضرائب المثلى على شركات التكنولوجيا عن توجيه ضربات سريعة للولايات المتحدة على صعيد التجارة، كما يرى الرئيس ترمب الخدمات المالية في شركة «فيسبوك» كامتداد طبيعي لقوة الدولار الأميركي. وإن كان الهدف هو تغيير طريقة عمل شركة «فيسبوك»، فسوف يكون هناك المزيد من القرارات المؤلمة في المرحلة المقبلة، من فرض تطبيق قوانين الخصوصية، ورفع مستوى قانون مكافحة الاحتكار، إلى المزيد من التدقيق والرقابة في كيفية عمل لوغاريتمات الشركة وإدارتها للمحتوى. وبخلاف ذلك، فمن شأن زيارة مارك زوكربيرغ المقبلة إلى بروكسل أن تكون مماثلة تماماً للزيارة الحالية من حيث البرودة وفتور العلاقات.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة