استقالة الدولة أو العودة إلى «الحالة الطبيعية» لقمع الانتفاضة

استقالة الدولة أو العودة إلى «الحالة الطبيعية» لقمع الانتفاضة

الخميس - 20 جمادى الأولى 1441 هـ - 16 يناير 2020 مـ رقم العدد [15024]

لم تجد الجماعة السياسية الحاكمة في لبنان رداً على مطالب المنتفضين على سلطتها غير الانكفاء والاستقالة من مهماتها. وفي الوقت الذي تبدو فيه رئاسة الجمهورية وكأنها تعيش على كوكب آخر ومعزولة عمّا يجري في الشارع ومشغولة بحسابات تشكيل الحكومة على النسق ذاته الذي تشكلت الحكومات السابقة به منذ 2005، تنكمش السلطة التنفيذية فلا يبقى منها سوى عناصر أجهزة القمع في الشارع مع أوامر متضاربة تعكس تبدل المصالح اليومية للسياسيين.
لا يسع الشريحة الحاكمة القيام بأي مراجعة لسلوكها الذي أوصل لبنان إلى كارثة اقتصادية وسياسية لم يشهد مثلهما منذ تأسيسه قبل مائة عام. ذاك أن التحالف الحاكم كان يعي ما يفعل ويدرك أن أسلوب إدارته للمؤسسات العامة وللعمل السياسي، أسلوب نفعي وانتهازي ولا هدف له غير تحقيق مكاسب يعيد بواسطتها إنتاج سيطرته على جماعته الطائفية وحمل هذه الأخيرة على الانخراط في مواجهات مسلحة أو باردة مع الطوائف المعادية. لا مجال هنا لا للمراجعة ولا للتراجع. فأي من الخطوتين تستبطن نهاية الشكل الذي تتخذه سلطة الطوائف منذ الاستقلال سنة 1943.
ما لجأت إليه الفئة الحاكمة كان تجميد كل وجوه النشاط في لبنان وإطلاق حملة تضليل للقول إن الانتفاضة هي المسؤولة عن الأزمة الشاملة الحالية. استقالت السلطة وانكفأ رموزها إلى معاقلهم وقصورهم المحصنة تاركين الناس تتدبر أمورها في غياب شبه كامل للقوانين والمؤسسات. فالقضاء يرفض التدخل في النزاع بين المودعين والمصارف التي استولت على أموال اللبنانيين. وجمعية المصارف تعمل عمل حاكم المصرف المركزي الذي لا يجد، بدوره، غضاضة من تبرير تصرفات الجمعية واسعة النفوذ رغم مخالفتها للقانون بل للدستور الذي يحدد طبيعة الاقتصاد اللبناني بأنه اقتصاد حر. وبعد استقالة الحكومة راحت الإدارات العامة تعمل بحد أدنى لا يؤدي فقط إلى تعطيل مصالح المواطنين، بل يفاقم من تدني واردات الدولة الضرورية لدفع مستحقات الموظفين والمتعاقدين وسواهم.
القطاع الوحيد الذي تابع نشاطه هو الأجهزة الأمنية التي تمدد حضورها ليشمل بوابات المصارف والساحات العامة ومداخل وسط العاصمة. وزادت الأجهزة هذه من الاستدعاءات التي توجهها للتحقيق مع الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، مما يعكس السمة الانتقامية للائتلاف الحاكم. تؤدي الأجهزة المذكورة دور الممثل الوحيد لسلطة لم يعد لها من شرعية أو من علة وجود غير البقاء قابضة على أعناق الناس وأموالهم.
باستقالة الدولة من أدوارها واختزال نفسها إلى الحضور الأمني الاستنسابي الذي يتراوح بين التعامل الوحشي مع المتظاهرين في حين، وترك الأمور على غاربها في أحيان أخرى، وبتعمد الغياب عن الحيز العام كجهاز منظم للعلاقات الاجتماعية أو للصراع المضبوط ضمن القانون، تكون الدولة - بما هي تكثيف لسلطة الطبقة السياسية - قد فرضت على المجتمع عودة إلى «الحالة الطبيعية» بحسب المصطلح الذي اجترحه هوبز. الحالة التي يستخدم فيه الفاعل الاجتماعي قوته للدفاع عن مصلحته وحضوره المادي والمعنوي بغض النظر عن القانون والأعراف ومراعاة مصالح الآخرين.
تبدو العودة المفروضة إلى «الحالة الطبيعية» التي لجأت إليها حكومات عربية عدة في الأعوام الماضية والتي اعتمدتها السلطة اللبنانية أخيراً، نوعاً من العقاب الذي تنزله السلطة بالمجتمع المتمرد والخارج عن طاعتها والرافض للخضوع لها. إنه نوع من القمع السلبي الذي يُمارس بأقل ما يمكن من العنف الذي تنطوي عليه أشكال القمع «الإيجابي» الذي تبادر السلطة فيه إلى انتهاج القسر والإكراه على نطاق واسع أو غير ذلك من الإجراءات الزاجرة.
بيد أن الانكفاء السلطوي الذي يراهن على عجز المنتفضين عن تنظيم صفوف وفرز قيادات واعية وكفؤة، ينطوي على خطر فقدان السلطة النهائي لشرعيتها التمثيلية ما إن يفلح المنتفضون في تقديم أشكال معقولة لإدارة المجال العام. وفي بلد صغير لكنه مزدحم بالتواريخ الدموية والاقتتال الأهلي والحساسيات المتنوعة والكراهيات القديمة والمستجدة، يصعب تأطير قيادات من الشارع من دون المرور باختبارات المصداقية والتمتع بتفويض شعبي لم تتبلور آلياته بعد.
بذلك تكون السلطة، في محاولتها إجهاض الانتفاضة من خلال قمعها سلبياً وجلبها إلى ساحة معركة مناسبة للسياسيين وجمهورهم، قد أطلقت سباقاً بينها وبين المحتجين يتمحور حول استخدام التنظيم والقيادة والقدرة على التحكم بالشارع الذي أثبت المنتفضون في مرات كثيرة أن لهم اليد العليا فيه، رغم عفويته، من دون أن يشكل ذلك بديلاً للتنظيم الواعي وللخطة العامة للتغيير السياسي في البلاد.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة