«حركة النهضة» وممارسة التحدي

«حركة النهضة» وممارسة التحدي

الجمعة - 25 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 22 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [14969]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية
خلال الشهرين الأخيرين عرفتْ تونس الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها والانتخابات التشريعية. وما نلاحظُه في هذا الموعد الانتخابي الثالث بعد انتخابات المجلس القومي التأسيسي وانتخابات 2014، أنَّ «حركة النهضة» قد غيَّرت استراتيجية حضورها وطبيعة مشاركتها في الحكم، وذلك بنهجٍ يمكن وصفه بأنه راديكالي على مستوى الشكل تحديداً.
ولعلَّ حرص «حركة النهضة» على ترشيح رئيسها السيد راشد الغنوشي لرئاسة البرلمان، وحذق لعبة التحالفات وحسابات المقاعد بتكتيك راوغ كثيراً من السياسيين والمراقبين، إنّما يدفعُنا للقول إنَّ الحركة قبضت على مقاليد الحكم في تونس.
فكما نعلم؛ فإنَّ النظام السياسي التونسي نظام برلماني؛ الأمر الذي جعل من الانتخابات التشريعية أكثرَ أهمية من الرئاسية باعتبار أن التصويت على المقاعد النيابية يعني آلياً التصويت على من سيكون له الحق أكثر من غيره في تمرير القوانين التي يريدها، وفي تعطيل مسار القوانين التي لا يتفق معها ومع مشروعها، خصوصاً عندما تكون مشاريع القوانين من النوع الحامل لرؤية آيديولوجية.
ففي هذا السياق، وبالنظر إلى تاريخ ممارسة الحركة للسياسة في مرحلة ما بعد الثورة، نلاحظ اختلافاً نوعياً وتغييراً عميقاً في استراتيجية حضورها في مؤسسات الحكم. وهو تغيير يطرح أسئلة عدّة؛ أوَّلها: لماذا غيّرت الحركة من شكل حضورها وهي التي كانت تدير نصيباً مهماً من الحكم دون أن تكون في الصورة مائة في المائة؛ فهل هو تغيير ناتج عن اختيار واعٍ لتغيير الاستراتيجية، أم إنه سلوك اضطراري بحكم محاولة بعض الأحزاب عزلها وعدم التحالف معها؟
في الحقيقة صحيح أن هناك معطيات ضاغطة حتّمت على الحركة أن تكون في مقدّمة الصورة السياسية، ولكن أيضاً هناك مؤشرات كثيرة تُفيد بأنّها سعت إلى رفع تحدٍّ جديد يتمثل في أن تكون حاكمة صورة وفعلاً هذه المرة.
لقد أقبلت «حركة النهضة» منذ تاريخ انتخابات 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011 على سياسة التوافق باندفاع كبير، ورأت أنّها تلبي لها ما يتماشى واستراتيجيتها، وهي أن تحكم دون أن تكون بارزة جداً في الصورة، خصوصاً أن تمتعها بالأغلبية النسبية في المجلس القومي التأسيسي آنذاك جعلها رقماً مهماً في كتابة الدستور وفي تحديد نظامه السياسي. فالحركة كانت على دراية بنقطة قوتها؛ وهي أنها أكثر الأحزاب خزاناً انتخابياً، ومن ثَمّ فإن النظام البرلماني يناسبها جداً. ولكن لا يفوتنا أن نقطة القوة هذه عرفت ارتباكاً كبيراً في الانتخابات الأخيرة.
الواضح أن حلم الحركة أصبح أكثر تأثيراً على خياراتها اليوم: فمشهد رئاسة السيد راشد الغنوشي البرلمان التونسي لم يكن يراود أحلام أي تونسي؛ يسارياً كان أم إسلاموياً.
طبعاً هناك نقطة أخرى إلى جانب الحلم، وهي شعور الحركة بأن الحقل السياسي التونسي اليوم يفتقد إلى أحزاب يمكن أن تزاحمها بقوة. صحيح أن الحركة تضررت وتراجعت في نسب التصويت، لكن غيرها من الأحزاب تلاشى واندثر، ونقصد «حركة نداء تونس».
من الأَمَارات التي تظهر تغيير «حركة النهضة» استراتيجية حضورها أيضاً؛ نذكر ترشيحها السيد عبد الفتاح مورو في الانتخابات الرئاسية، وهي خطوة كانت مفاجئة جداً؛ إذ لم تُوحِ «حركة النهضة» بأنها معنية بالرئاسة بقدر ما كان واضحاً منذ فوزها في 2011 حرصها على التوافق مع أطياف سياسية أخرى، وأن تحيط نفسها بالأصدقاء، وأن يكون في الرئاسة من تستطيع التفاعل معه، والشيء نفسه ينطبق على رئاسة الحكومة.
ودليلنا فيما ذهبنا إليه هو دعم «حركة النّهضة» الرئيس قيس سعيّد في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسيّة؛ الأمر الذي جعل بعض التونسيين يعدّونه مرشحهم غير المعلن أو «عصفورهم النادر» الذي لوّحوا بالحديث عنه طيلة أشهر سابقة للانتخابات.
طبعاً قد يكون تغيير الاستراتيجية ناتجاً عن استشعار «النهضة» إرادة أحزاب ذات مقاعد في البرلمان عزلها وإظهارها عاجزة عن تكوين الحكومة في الأجل الذي يحدده الدستور، وتعطيل مسار مفاوضاتها من أجل تشكيل الحكومة وإحباط مساعيها. لذلك نعتقد أن تغيير الاستراتيجية بالكامل هو رد فعل ضد مؤشرات عزلها برفع تحدي القبض على البرلمان والحكومة معاً.
ولكن هل وضعت «حركة النهضة» في اعتبارها أن وجودها الصارخ في صورة الحكم قد يُعجل بنهايتها كما حصل لمن سبقها؟
هناك أسباب موضوعية وغيرها تجعل من هذا السؤال مهماً بالنسبة إلى «حركة النهضة»، لا سيما أن جبهة الرفض ستتنامى، وأيضاً لن تسعفها الظروف الاقتصادية في النجاح وإشباع توقعات التونسيين. لقد أصبح واضحاً للجميع اليوم أن التحديّات اقتصادية أولاً وثانياً، وليست آيديولوجية كما ذهب في الاعتقاد على امتداد السنوات الأخيرة.
انخرطت «حركة النهضة» في استراتيجية لم ينجُ منها أحد إلى حد الآن. وحصل هذا الانخراط في لحظة ليست فيها الحركة في أوج قوتها الشعبية، وهو ما أظهرته نسب التصويت؛ سواء لمرشحها في الرئاسة، أو في الانتخابات التشريعية؛ حيث إن ما تحصلت عليه من مقاعد لا يمكنها من تشكيل الحكومة دون الحاجة للتوافق مع حركات أو أحزاب أخرى.
التحدي كبير والطريق الوحيدة لكسبه هي النجاح فيما تمّ الفشل فيه إلى حد الآن: التنمية وحل المشكلات الاقتصادية.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة