سكوت كينيدي وجود بلانشيت
TT

أميركا والصين ومبدأ استدامة التنسيق

التحدي الكبير الذي تواجهه الولايات المتحدة اليوم يتعلق بالتنافس مع دولة واقتصاد كبيرين – نعني الصين – والتي تتشابك المصالح الأميركية معها بأكثر مما ارتبطت مع أي منافس آخر. وهناك أصوات متنامية في العاصمة واشنطن تنادي بأن الولايات المتحدة سوف تكون أفضل حالاً إن هي انفصلت تماماً عن تلك العلاقة مع الصين. وفي حين أن نائب الرئيس مايك بنس قد أعلن في وقت قريب أن ذلك الانفصال ليس من بنود السياسة الرسمية للبلاد، عندما يتعلق الأمر بالصين بالطبع، فإن الإدارة الأميركية تبدو قد اتخذت موقفاً يرفع شعار «الأمان أفضل من الندم»، الأمر الذي يقيد العلاقات كلما انعكس أنها محفوفة بالمخاطر.
وسواء كان هذا الموقف متعمداً من عدمه، فإنه يدفع الولايات المتحدة والصين على مسار الانفصال السريع، مع تقدير ضعيف للتداعيات المترتبة على ذلك، أو الشعور الواضح بما يمكن أن يمثل النجاح المنشود. ومن شأن هكذا نتيجة أن تجعل الولايات المتحدة أكثر فقراً وأضعف قوة، بدلاً من تعزيز الأمن القومي الأميركي. وإننا في أمس الحاجة إلى إطار يتسم بالذكاء ليقود دفة سياساتنا حيال الصين.
ربما يكون الانفصال عن الصين جذاباً من الناحية الشكلية، ولكنه يستند قائماً على ثلاث خرافات. الخرافة الأولى تقول إن الولايات المتحدة والصين لا تربط بينهما صلات وروابط قوية وراسخة كمثل القابس والمقبس الكهربائي؛ حيث يكون الخيار المتاح إما الاندماج الكامل وإما الانفصال التام. وفي حقيقة الأمر، تنتظم العلاقات والروابط على طول طيف كامل غير مقتصرة على نقطة بعينها. ويتراوح مستوى التكامل بصورة كبيرة عبر كل قطاع من القطاعات المالية والاقتصادية بين البلدين.
ثانياً، يعتقد دعاة الانفصال – بصورة من الصور – أن الحكومة الأميركية يمكنها السيطرة الكاملة على العملية، في حين أن الجميع يلعبون دوراً سلبياً حيالها. وفي الواقع، في حين أنه يمكن لواشنطن فرض الحدود والقيود ومثبطات التكامل، فلا تزال الشركات، والمؤسسات، والحكومات الأخرى، بما في ذلك الصين، تملك الأهلية لتحديد ما يحدث وما لا يحدث في تلك العملية.
وعندما غرد الرئيس الأميركي ترمب بقوله: «نوجه الأوامر إلى الشركات الأميركية الكبرى، بالبدء فوراً في البحث عن بديل للصين»، تجاهل أغلب المديرين التنفيذيين الأميركيين تلك التغريدة، وواصلوا ممارسة أعمالهم كالمعتاد. وقام بعضهم بنقل جزء من الإنتاج المخصص للأسواق العالمية خارج الصين، ولكنهم رفعوا في الأثناء ذاتها من الاستثمارات المواجهة إلى الأسواق الصينية. وعلى الرغم من الضوابط الجديدة على الصادرات، فلا يزال كثير من الشركات الأميركية يبيع الرقائق الإلكترونية إلى شركة «هواوي تكنولوجيز ليمتد» الصينية العملاقة، وذلك من خلال الشركات التابعة لها في الخارج.
وفي الوقت نفسه، توددت بكين إلى كثير من البلدان الأخرى، من خلال إتاحة إمكانية الوصول الأكبر إلى الأسواق الصينية – وإن كان بصفة انتقائية – في حين أنها فرضت العوائق الجديدة في وجه الشركات الأميركية، مع مضاعفة الجهود المحلية الرامية إلى تأمين الاستقلال التكنولوجي في البلاد. وأي محاولة منفردة من جانب واشنطن للانفصال في تلك الأجواء المتوترة، من شأنها أن تسبب «عزلة» الولايات المتحدة وليست الصين.
ثالثاً، يفترض منطق الانفصال أن الارتباط المتزايد مع الصين يهدد الأمن القومي الأميركي بطبيعة الحال، وبالتالي فإن وصفة العلاج السياسية لا بد من أن تتحرك على المسار المعاكس، أي استعادة التكامل مع بكين. وفي حقيقة الأمر، تسفر العلاقات الأقوى عن توسيع بعض نقاط الضعف، ولا سيما في الفضاء السيبراني. ولكنها عززت أيضاً من الأمن الأميركي، من خلال إدماج الصين في المؤسسات الدولية، وجعلها أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والأسواق الغربية، مع زيادة أرباح الشركات الأميركية. وتتحول هذه الأموال إلى جهود البحث والتطوير المستمرة، والتي تعزز بدورها من ركائز القوة العسكرية في الولايات المتحدة.
إن بديل الانفصال عن الصين لا يتسم بالسذاجة المتوقعة؛ بل إنه يتضمن اعتماد المقاربة الأكثر حكمة وحصافة إزاء التكامل، تلك المقاربة التي تتشح بالتفاؤل والثقة في مواطن قوة النظام الأميركي وقدرته على الابتكار.
وهذه المقاربة تستلزم بذل الجهود الكبيرة لضمان عدالة وإنصاف التفاعل والمشاركة مع الصين من الناحية الاقتصادية، مع تعزيز الأمن الأميركي، والاتساق مع القيم الأميركية المعتبرة. ومع ذلك، من خلال زيادة التركيز على التكامل، وليس على الانفصال، تزيد فرص تعاون الولايات المتحدة بفعالية أكثر مع الحكومات الأخرى ذات الرؤى المماثلة، ومع الصناعات، ومع أصحاب المصالح الآخرين، ومن ثم رفع حالة التنافس البناءة مع الصين عبر كافة المجالات.
إن تحويل التركيز عن الانفصال صوب ما نسميه الاعتماد المتبادل المنضبط مع الصين، يتضمن تغييراً لازماً في المنظور مثل أي أمر آخر. على سبيل المثال، لا بد من استمرار وجود ضوابط التصدير وقيود الاستثمار التي تزيد من جدوى التجارة المستمرة على الصعيد الاستراتيجي. ولكن لا بد لذلك أن يكون هدف الطرف الآخر، فمثل هذه التدابير لا يجب أن تتحول إلى عوائق على الطريق إلى فك الارتباط على نطاق واسع.
وعلى نحو مماثل، في حين أن الولايات المتحدة في حاجة إلى إرساء الآليات الراسخة لمراقبة تمويل الأبحاث التي تجد طريقها إلى العلماء والباحثين في الصين، ينبغي للغرض من الرقابة أن يتعلق بمحاولات تعزيز النزاهة البحثية في كافة أرجاء البلاد، وليس الفصل التام مع الصين. ومواصلة ممارسة الأعمال التجارية بأساليب تتفق مع القيم الأميركية المعتبرة لا يعني أبداً التخلي المباشر عن الصين، وإنما محاولة جعل الشركات تفرض قدراً من الرقابة على سلاسل التوريد الخاصة بها، لضمان أنها لا تستغل العمال أو توفر المنتجات التي تعتبر جزءاً من شبكة منشآت الاحتجاز التابعة للحكومة الصينية في مقاطعة شينغيانغ الصينية.
وإحدى فوائد هذه المقاربة تتمثل في إزالة التمييز التقليدي بين المشاركة باعتبارها أداة من أدوات النمو الاقتصادي من جهة، وبين ضمان حماية الأمن القومي الأميركي من جهة أخرى. وسوف تحتاج الولايات المتحدة إلى الاستمرار في ردع الصين عن استخدام القوة العسكرية ضد تايوان، مع بذل مزيد من الجهود للدفع على مسار بحر الصين الجنوبي. كما تحتاج الولايات المتحدة – والغرب بصفته الأوسع – إلى تكامل الشواغل الأمنية والقيم المشتركة، عبر كل جانب من جوانب أساليب التشارك والتفاعل مع الصين. وعلى خلاف ذلك، فلن تكون أمام العلاقات المشتركة فرصة كافية لتحقيق مبدأ الاستدامة.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»