الأدب لا يكفي

الأدب لا يكفي

الأحد - 20 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 17 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [14964]
علي المزيد
كاتب في الشؤون الاقتصادية
يتساءل المثقفون في العالم العربي دائماً، هل يكفي أن يعيش الأديب من دخل أدبه؟ وتختلف الإجابة من شخص لآخر، ولكنها في النهاية تتفق على أن الأديب لا يمكن أن يعيش على دخل أدبه، والمتتبع للأدب العربي يجد أن الأديب العربي يعيش على أعطيات الحاكم، فنجد الأدباء قد أجدبوا في عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، نتيجة ورعه، كما أنهم عانوا الفاقة في عهد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور نتيجة بخله.
وفي الزمن الحاضر، يندر أن نجد أديباً أو باحثاً عربياً تفرغ للإنتاج الفكري، لأنه يعرف أن الإنتاج الفكري «لا يؤكل عيشاً»، وفي الغالب نجد المتفرغين قد فرغتهم حكوماتهم للبحث مع ندرة هؤلاء.
وفي أحيان كثيرة نجد الأدب قد جنى على صاحبه، كما جنى أدب المتنبي عليه، حينما رجع لقاتله بعد أن فرّ منه المتنبي، ولم يرده إلا استشهاد القاتل (فاتك) بقول المتنبي: «الخيل والليل والبيداء تعرفني... والسيف والرمح والقرطاس والقلم»، ليعود المتنبي ويلقى حتفه على يد فاتك.
الغريب أن الشرق كان موطناً للأدب، وقد اهتم الشرقيون بالإبداع، فها هُم الهنود يؤلفون كتاب «كليلة ودمنة»، ويجري أديبهم، بيدبا، كما يعرف في الترجمة العربية، الحكمة السياسية على لسان الحيوانات، ليعطي لكل حيوان، وحسب موقعه في الغابة، رمزاً للرتب البشرية، من الملك إلى الوزير إلى المستشار إلى غير ذلك من الرتب.
هذا الكتاب سعى الفرس لترجمته، وبعثوا طبيباً تخفى، أي أنه فعل كما يفعل الجواسيس اليوم، إذا أرادوا أن يحصلوا على معلومة، والسبب في ذلك أن الهنود كانوا يعتبرون كتاب الحكمة هذا من أهم أسرار الدولة، أي مثل سر القنبلة الذرية في وقت من الأوقات.
وأظنها اليوم لم تعد سراً، المهم في الأمر أن الطبيب الفارسي الذي ذهب للهند لتحقيق رغبة كسرى في ترجمة كتاب «كليلة ودمنة»، نجح في ترجمته بعد أن أنفق أمواله التي أعطاها إياه كسرى لهذا الغرض، ليترجم الكتاب فعلاً، ويعود به لأرض فارس.
الغريب أنه، وبعد هذه العملية الاستخباراتية، طلب منه كسرى أن يطلب ما يشاء من الأموال، ولكنه لم يطلب سوى أن يحفظ حقه الأدبي، وأن يُوضع له فصل في المقدمة، وفعلاً وضع له هذا الفصل. فيا ترى هل العلماء لا يعرفون قيمة المال؟ أم أنهم لا يعتبرون الإنتاج الفكري تجارة؟
الكتاب تُرجم للعربية عن طريق عبد الله بن المقفع، ومنه انتقل للغرب.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة