القول الفصل.. في ما بين «داعش» و«حزب الله» من وصل!

القول الفصل.. في ما بين «داعش» و«حزب الله» من وصل!

السبت - 17 ذو الحجة 1435 هـ - 11 أكتوبر 2014 مـ رقم العدد [13101]
محمد الرميحي
مؤلّف وباحث وأستاذ في علم الاجتماع بجامعة الكويت.

سوف يعتبر البعض هذا العنوان مستفزا، وأنا أؤكد أن الغرض ليس الاستفزاز، كما قد يعتبره البعض مثيرا للبهجة، ولم أكتب لأثير بهجة أحد. أؤكد أن المحاولة هي جلاء الغامض، احتراما للعقول العربية وإثارة لنقاش جاد، يعيدنا إلى سكة العقل، بعيدا عن الأدلجة والتسليع الطائفي. أؤكد أن ليس كل السنة «داعش»، وليس كل الشيعة «حزب الله»، تلك خرافة آن لنا أن نتطهر منها، يقيني أن دائرة «داعش» ودائرة «حزب الله» متطابقة إلى حد كبير، الفروقات في الهوامش فقط. مؤيدو هذا الفريق أو ذاك لا يستطيعون رؤية التطابق، حيث إن الكائن لا يستطيع أن يبصر وهو مغمض العينين، والانغماس في الأدلجة هو ضرب على كل الأفئدة وليس على العينين فقط. إذا كان ثمة اختلاف فهو اختلاف في الدرجة وفي التوقيت، أما باقي العناصر فهي هنا وهناك واحدة تقريبا. كلا الفصيلين له منبت سياسي، مبني على توظيف ديني، كلاهما ينتمي إلى جماعة مغلقة ومن لون واحد، ماضوية التفكير. وليس إلى مجتمع مفتوح تعددي ومستقبلي، كلاهما يفرض على أتباعه مفردات ومفاهيم يدغمها في شبكة التفكير العام على أنها مطلقة. كلاهما يعتمد ميكانيكية مرتدة، قوامها الترغيب والتخويف، على أفراد داخل الجماعة وخارجها، وكلاهما يتبنى خطابا ظاهريا معاديا للغرب!
الحجج التي أستند إليها في التداخل كثيرة، أنتقي من بينها تسعا، هي الآتي:
أولا: الاثنان (ولن أكرر، وأقصد بهما «داعش» و«حزب الله») يعتمدان على إقامة حكم الله على الأرض، أبو بكر البغدادي، صبحي طه (الخليفة) وأتباعه، يعتنقون الحاكمية، وهم خلفاء الله على الأرض، و«الخليفة» مفوض مطلق من الرب تعالى للتحكم في رقاب البشر، وعند قراءة الرسالة المفتوحة التي وجهها «حزب الله» إلى «المستضعفين» في 16 فبراير (شباط) 1985 (تتكون من 16 صفحة.. وتعتبر المنفستو للحزب)، يقول فيها: «.. ندعو الجميع لاختيار النظام الإسلامي» و«مقتنعون بالإسلام عقيدة ونظاما، فكرا وحكما... وإذا ما أتيح لشعبنا أن يختار بحرية، فإنه لن يرجح على الإسلام بديلا»... طبعا بعد تمجيد للنظام الإسلامي في طهران، هذا الذي سمي «الهدف الرابع» من أهداف «حزب الله» يبين أن الغرض هو «إقامة حكم الله على الأرض» وطاعة ممثله (الولي الفقيه). ما يختلف هنا هو مرجعية الأول (الخلافة) ومرجعية الثاني (الولي الفقيه)، الرسالة المفتوحة هذه لم تعد تذكر كثيرا في أدبيات الحزب في السنوات الأخيرة! إلا أن مركزية «الجهاد» هي قاعدة أساس لدى الفريقين المعنيين وعليها يقومان بالتجنيد والحشد. وكلاهما يستخدم الرمز (الرايات السود) للتأكيد على جهاديتهما، ويضيف «حزب الله» الصفراء أيضا.
ثانيا: كلاهما بدأ باسم، وانتهى باسم آخر، «حزب الله» لم يكن إلا «أمة (حزب الله)» في البداية، ما لبث أن شطب «الأمة»، وكذلك «داعش»، فقد كانت «دولة العراق والشام» ثم تحولت سريعا إلى «الدولة الإسلامية»، كانت طهران تبحث عن «ذراع» في معركتها مع «الآخر» في الثمانينات، من هنا جاء تفجير السفارة العراقية في بيروت عام 1981 بمشاركة حزب الدعوة، ودمشق، وتبينت الحاجة إلى وكيل محلي قوي في التربة اللبنانية، مع تفسخ الدولة، يخلط المظلومية وبشعارات جذابة وحاجة اقتصادية ملحة، وهنا تم توليد «حزب الله».
ثالثا: المؤسسون لـ«حزب الله» شكلوا هيكلا للحزب، وكان الأمين العام لا يحق له سوى دورتين فقط في الأمانة العامة، بعدها يتوجب انتخاب شخص آخر، في التسعينات بعد قتل الموسوي الأمين العام الثاني من قبل إسرائيل في مايو (أيار) 1991، جرى انتخاب الأمين العام السيد حسن نصر الله، وخلافا لما قرره المؤسسون، عدل الهيكل، ليصبح الأمين العام «مدى الحياة» على قاعدة دساتير «السادات - بن علي»، وأبو بكر البغدادي هو «الخليفة» الذي قال في خطبة عصماء في الموصل: «أطيعوني ما أطعت الله فيكم»، ولأنه الوحيد المفسر للإسلام فهو الباقي حتى يختاره الله (أو يقتل)، فالقائد هو المطلق والدائم في الحالتين.
رابعا: كلاهما تتبدل تحالفاته، تتصل وتنفصل؛ «داعش» تتحالف مع النصرة لفترة، ثم تنقلب عليها وتحاربها (اختلاف مصالح) وكذلك «حزب الله» وحركة «أمل»، فقد قامت بينهم صراعات دموية هائلة، تخطت اتفاق دمشق 1، حتى اتفاق دمشق 2، وسقط من الطرفين برصاص الآخر قتلى، ثم توافق الطرفان وانسجما، بعد تحديد الأدوار من القائد لكل منهما، كما حدث في السنوات الأخيرة.
خامسا: كلتا الحركتين متخطية للحدود الوطنية؛ «داعش» تتخطى حدود كل من العراق وسوريا، ولو أتيح لهذا التنظيم فرصة من الزمن لتخطى كل الحدود المعروفة، و«حزب الله» يدين بالولاء إلى خارج الحدود كما هو معلن ومكرر. «حزب الله» يعتبر التزامه بولاية الفقيه (في إيران) حلقة أساسية بالتزامه بمشروعه السياسي، والأمر في القضايا المركزية مرده هناك بعيدا عن لبنان الوطن. ميلاد «حزب الله» جاء على يد علي أكبر محتشمي (سفير إيران في دمشق) ومن خلفه الحرس الثوري. كان الفلسطينيون يرغبون في أن تصبّ الثورة الإيرانية في جيبهم، وأراد الإيرانيون أن تصب الثورة الفلسطينية في «جيب إيران»، فجرى خلق ذراع خاصة تابعة لهم، تنادي بالشعار الاستقطابي «تحرير فلسطين»، ثم تغيرت الحال، وتستخدم طهران الحزب كذراع محاربة اليوم في سوريا.
سادسا: يحارب مع «داعش» الكثير من خارج الوطن، سواء كانت سوريا هي الوطن أو العراق هو الوطن، كما يحارب ويدرب ويؤمّن السلاح والتمويل لـ«حزب الله» من هم خارج الوطن، بل وينخرطون حتى في بعض معاركه، وهم إيرانيون بالطبع، وغير إيرانيين من مناصريه، فإذا «الانفتاح» على جنود من خارج «الوطن» سمة مشتركة بين الاثنين.
سابعا: الاختطاف والقتل.. كان لنحر عدد من الغربيين مؤخرا، الذي قامت به «داعش» هزة إنسانية اتفقت على قباحتها كل الأمم، كما أن العمليات الانتحارية في المدن (السورية والعراقية) المختلفة التي تقصد الآخر والمستهجنة تثير الغضب، ولكن هذا هو بالضبط ما قام به «حزب الله» في فترة من فتراته، وهو ما يقوم به «محسنا» في فترة لاحقة. البعض قد نسي اختطاف العقيد الأميركي (هينجنز) الذي تسبب جزئيا في إثارة «صراع الحصص» بين «حزب الله» وحركة «أمل»، ثم سلسلة التفجيرات في السفارة الأميركية في بيروت عام 1983، مرورا بالمحتجزين الغربيين، أشهرهم تيري ويت، الذي ما زال يظهر على وسائل الإعلام الغربية، كلما صار الحديث عن «اختطاف»، ويتذكر تهديده اليومي بالقتل، وانتهاء بسلسلة الاغتيال التي طالت عددا من الزعماء اللبنانيين، بينهم رئيس وزراء لبنان في فبراير 2005 رفيق الحريري، مهندس اتفاق تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الاتفاق الذي سهل وصول وحماية مقاتلي «حزب الله» إلى الجنوب اللبناني! ثم جرى قتله!!
ثامنا: غني عن البيان أن كلا التنظيمين يعمل «خارج الدولة» أو «دولة داخل الدولة» ولا يحتاج مراقب إلى أن يثبت ذلك، فحتى الفصل بين الناس له هيكل مستقل، تقيم «داعش» محاكمها «الشرعية» الخاصة بها، بل قد طلبت من بعض مناصريها في بلدان لها أعوان فيها أن يقوموا بتنظيم «دروس سريعة للقضاة الشرعيين»! للمساعدة في إقامة الحكم الشرعي في «الدولة الإسلامية»، يقابل هذا ما اعتمده «حزب الله» منذ فترة، على مستوى الهياكل التنظيمية، بإقامة «المجلس القضائي» ويضم المسؤولين القضائيين في المناطق (ويقتصر عملهم أساسا على عناصر «حزب الله» لحل النزاعات في ما بينهم)!
تاسعا: إتقان الإعلام بالصوت والصورة والمطبوعة، فـ«داعش» استطاعت وبشكل «همجي» أن تلفت النظر إليها من خلال الاستخدام المتقدم لوسائل الاتصال تجنيدا واستثارة، بل وأقدمت على نشر مطبوعة لها باللغتين الفرنسية والإنجليزية، وكذلك الأمر، استطاع «حزب الله» بكثير من القدرة أن يوظف الإعلام لصالحه، من خلال خلق وعي بـ«مقاومة إسرائيل» أو وعي آخر بـ«الدفاع عن المراقد» في دمشق، وهو وعي تكوّن لدى المناصرين وحتى المحايدين على أنه حقيقة لا تقبل الجدل، بل رسخ في أذهان كثيرين أنه الوحيد «الذي هزم إسرائيل، في حين عجزت الجيوش العربية عن ذلك»!
أكتفي بالنقاط التسع السابقة، ولولا ضيق المكان لعددت الكثير من مناطق التشابه التي قد تحتاج إلى سعة كتابية أكبر، إلا أن ملخص الأمر هو توظيف سياسي للدين/ ليس جديدا في تاريخ البشرية، فقد حصد من قبل، في أماكن أخرى، الملايين من أرواح البشر، وهو يفعل ذلك الآن بين ظهرانينا.
آخر الكلام:
هذا الطريق، إن كان يسمى لدى البعض نضالا، هو طريق مسدود، فمخاطبة العواطف والغرائز الدنيا قد تساعد مؤقتا، ولكنها لا تؤدي إلى نتيجة، إلا الهزيمة الحضارية، هكذا علمنا التاريخ وقال لنا العقل.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة