مأساة سقوط رجل قانون في عالم الشبهات

مأساة سقوط رجل قانون في عالم الشبهات

الأربعاء - 24 صفر 1441 هـ - 23 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14939]
د. عبد العزيز حمد العويشق
الأمين العام المساعد للشؤون السياسية وشؤون المفاوضات في مجلس التعاون الخليجي.

سقطات رودي جولياني، المحامي الشخصي للرئيس ترمب، مدوية هذه الأيام، فقد اعتُقل اثنان من شركائه وهما يحاولان مغادرة أميركا في أوائل هذا الشهر، ثم وجهت لهما تهمة التخطيط لشراء النفوذ لدى مسؤولين أميركيين والتأثير على الانتخابات باستخدام أموال أجنبية، وتقول النيابة الفيدرالية إن لهما علاقات مشبوهة خارج الولايات المتحدة، وإنهما ربما نجحا في رشوة بعض السياسيين.
ونظراً إلى أن الولايات المتحدة تقف هذه الأيام على مشارف الانتخابات الرئاسية والنيابية خلال عام 2020، فقد أثارت هذه الأنباء اهتمام الكثيرين، أخذاً بالاعتبار الاتهامات التي شابت انتخابات عام 2016، وأن جولياني مقرب من الرئيس ترمب.
وخلال الأسبوع الماضي ظهرت قضية أخرى تتعلق بتلقي جولياني مبلغ نصف مليون دولار من الشريكين المعتقلين، وقد أقر جولياني بذلك، ولكنه يقول إن ذلك مقابل استشارات.
ولم تثبت حتى الآن أي تهمة على جولياني في هذه القضايا، أو أن له علاقة مباشرة بالمخالفات المتهم بها شريكاه المعتقلان. ولكن المفارقة هي مجرد أن تحوم هذه الشبهات الخطيرة حول جولياني، فهي مُحيّرة لمن عرفوه حين كان هو النائب العام الفيدرالي في مدينة نيويورك، ثم عمدة لها.
خلال معظم فترة إقامتي في نيويورك بين عام 1981 وعام 2000، كان اسم جولياني مرتبطاً بمكافحة الجريمة، يلاحق أقطاب المافيا ودهاقنة وول ستريت وكبار المسؤولين الفاسدين.
اشتهر جولياني بعد أن أصبح النائب العام الفيدرالي في المدينة لمدة ستة أعوام (1983 - 1989)، قام خلالها بمحاكمة قادة «العائلات الخمس» في المافيا (لوكيزي، وبونانو، وجينوفيزي، وكولومبو، وغامبينو)، وهو ما لم يجرؤ على القيام به مسؤول سابق. ثم أودع بعض كبار قادة عالم المال في السجون مثل (إيفان بوسكي) و(مايكل ملكن) بعد إدانتهما بارتكاب جرائم مالية. ولم يكتف جولياني بذلك، بل لاحق مروجي المخدرات والمسؤولين الحكوميين، وتمكن خلال تلك الفترة من إحراز (4152) إدانة، وهو أمر غير مسبوق.
برز جولياني من خلال تلك الإنجازات، ومن خلال أسلوبه المباشر والمسرحي أحياناً، وذكائه في استخدام الإعلام. ومع أنه كان ينتمي إلى الحزب الجمهوري، أثار جولياني إعجاب نيويورك، التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي، وفاز بانتخابات رئيس البلدية عام 1993. مع أن المدينة نادراً ما تنتخب جمهورياً لأي منصب. فمن بين 109 عمد لنيويورك خلال تاريخها، لم يفز الجمهوريون إلا نادراً. ولم تصوت المدينة لأي جمهوري لشغل أي منصب فيدرالي منذ عقود، بل صوتت ضد الرئيس ترمب في عام 2016 مع أنه من أبنائها، وهو أمر غير مسبوق أيضاً.
بعد فوز جولياني بمنصب العمدة، أكسبته حملته ضد الجريمة والفساد شعبية واسعة، بما في ذلك محاكمة بعض المسؤولين الذين عينهم في إدارته. ففي نظر كثير من سكان المدينة، كان الفساد والسلطات البلدية مترادفين. فلأن هذه المدينة يحكمها في الغالب حزب واحد، سيطر قادته على الحكومة وانتشرت المحسوبية وإساءة استخدام السلطة التقديرية، وهو ما كان يوصف بـ«الفساد القانوني» على سبيل النكتة، لتمييزه عن «الفساد غير القانوني» وعن السرقة الصريحة، وكلها كان موجوداً في حكومة المدينة، على النحو الذي شرحته أفلام وبرامج تلفزيونية كثيرة، بالإضافة إلى عدد من الكتب ذائعة الصيت، مثل كتاب «مدينة للبيع»، الذي كتبه المحققان الصحافيان جاك نيوفيلد ووين باريت.
وعلى الرغم من الإجماع العام في صالح جولياني حينها، لم يخل من المنتقدين، فكان يُتهم بأن عمله في النيابة كان انتقائياً، وأن مبادراته كانت تدفعها طموحاته السياسية في المقام الأول. وكانت علاقاته مع الأقليات متوترة أحياناً، بما في ذلك علاقته مع العرب والمسلمين في نيويورك.
وعلى الرغم من الانتقادات، حكم جولياني مدينة نيويورك ثماني سنوات (1994 - 2001)، وهي الحد الأقصى.
من الناحية السياسية، أفادت هجمات 11 سبتمبر 2001 جولياني كثيراً، وكانت فترة ولايته قد قاربت على الانتهاء، ولكنه أحسن إدارة الأزمة وساهم في توحيد المدينة في جهود إعادة البناء، بل أصبح وجهه رمزاً لحيوية المدينة وقدرتها على التعافي. واعترافاً بتلك الجهود، اختارته مجلة «تايم» في ديسمبر (كانون الأول) 2001 شخصية العام.
ومع أن تلك النجاحات لم تمكنه من الفوز بمناصب أعلى، فإنه يُعتقد أن نجاحه في التعامل مع أحداث 11 سبتمبر ساعده مالياً، إذ ارتفعت ثروته نحو ثلاثين ضعفاً خلال فترة قصيرة.
كسب جولياني معظم ثروته من عمله كمتحدث ومستشار لعدد من المنظمات والأفراد. ولكن تمثيله لبعض الدول وتبنيه لبعض القضايا أفقداه تدريجياً ثقة الجمهور، وأصبح سجله المُشرق في نيويورك تاريخاً قديماً منسياً، ودخل في منزلق خطير أوصله إلى الواقع الحالي.
هذه الأيام، وحتى قبل الفضائح الأخيرة، أصبح جولياني ضيفاً شبه دائم على برامج التلفزيون، يدافع عن قضايا خاسرة بالصراخ والعويل، ولم يعد طرحه منطقياً، أو حتى مفهوماً في بعض الأحيان. وليس واضحاً ما إذا كانت تلك البرامج تستضيفه لأنها معجبة بأسلوبه العدائي، أو أنها تستضيفه لتسخر منه.
أصبح وضع جولياني مُحزناً وكئيباً حينما يُقارن بشخصيته التي أثارت الإعجاب حينما كان النائب العام الفيدرالي في نيويورك وعمدةً محترماً، وشخصيةً محبوبةً بعد أحداث 11 سبتمبر.
ولكن خلال هذا الشهر تكشفت فضائح من نوع آخر في منتهى الغرابة. فحسبما ورد في الدعوى القضائية ضد شريكيه ليف بارناس وإيغور فرومان، فإنهما كانا يخططان للاحتيال على قوانين تمويل الحملات الانتخابية في أميركا، حيث قاما بتجاوز الحدود المالية القصوى المسموح بها في تلك القوانين، كما قاما بإخفاء المصادر الأجنبية لذلك التمويل، وذلك بهدف «كسب النفوذ مع المرشحين للانتخابات واستغلالهم لتحقيق مصالح شخصية».
ثم جاءت التقارير الصحافية بأن الرجلين قدما لجولياني مبلغاً قدره نصف مليون دولار، ليس من المؤكد حتى الآن مقابل ماذا ومن أين حصلا على ذلك المبلغ، كما كانا شريكين لجولياني في تعاملاته مع حكومة أوكرانيا، التي هي تحت المجهر في تحقيقات مجلس النواب الأميركي.
هذان الرجلان ليسا أول من ينتهك قوانين تمويل الحملات الانتخابية، ولكن هذه القضية أثارت اهتمام الأميركيين لأنهما شريكان لجولياني، المحامي الشخصي للرئيس ترمب، ولأنه لا يعرف على وجه الدقة من أين تلك الأموال وعلى من صُرفت، وهي أمور من المؤكد أن تكون محل تمحيص خلال التحقيق الجاري الذي يقوم به الكونغرس في قضية استغلال أدوات السياسة الخارجية لمصالح انتخابية ضيقة.
ولكن من الناحية الشخصية، فإن متابعة تورط جولياني، رجل القانون والأمن ومحاربة الفساد سابقاً، مع هؤلاء الأشخاص والقضايا المشبوهة، وربما قرب إحالته إلى التحقيق قريباً، تشبه متابعة أحداث مأساة إغريقية محزنة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة