المتساقط الأكبر في دعوة الإخوان المسلمين

المتساقط الأكبر في دعوة الإخوان المسلمين

الأحد - 14 صفر 1441 هـ - 13 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14929]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي
ألّف اللبناني الطرابلسي فتحي يكن كتابه «المتساقطون على طرق الدعوة - كيف... ولماذا؟»، ليحرم دينياً الخروج من دعوة الإخوان المسلمين والانضمام إلى دعوة إسلامية أخرى، أو إنشاء دعوة إسلامية جديدة، أو التملّص منها لأي سبب، حتى لو كان هذا السبب وجيهاً، وذلك لمواجهة مشكلة الانشقاق عن دعوة الإخوان المسلمين في العالم العربي، مع أنها كانت مشكلة ليست بذات خطر على الإخوان المسلمين؛ فأعداد المنشقين عنهم والمتسربين منهم كانت أعداداً صغيرة.
ومن العجب أن الكتاب ومؤلفه أسفرا عن مفارقة تجعل حتى الرجل الجهم والعبوس يلج في الضحك.
الأولى زمناً، أن الجماعات الإسلامية الجهادية والتكفيرية، وهي من ضمن الجماعات التي يحرم الخروج من دعوة الإخوان المسلمين والانضمام إليها، تبنّت كتابه في مجال التثقيف الحركي والحزبي!
ويرجع هذا إلى أن مؤلفاته ومؤلفات الإخواني الآخر السوري سعيد حوى - مثلهم في هذا مثل الإخوان المسلمين - تملأ عندهم الفراغ التنظيري، الحركي الحزبي، الذي تركه سيد قطب بعد إعدامه، وتكميل ما بدأه في كتابه «معالم في الطريق».
الثانية زمناً، وكانت أشد مهزلة من الأولى أن صاحب كتاب «المتساقطون على طريق الدعوة - كيف... ولماذا؟» فتحي يكن، حسب المصطلح الذي سكّه وهو التساقط والمتساقطون، كان المتساقط الأكبر في طريق الدعوة، دعوة الإخوان المسلمين.
ففي عام 1993 (وهو الذي كان يحرم الخروج من جماعة الإخوان المسلمين في كتابه المذكور) انفصل أو فُصل من الجماعة الإسلامية - فرع الإخوان المسلمين في لبنان، رغم أنه كان من أبرز مؤسسي هذه الجماعة في مطلع الستينات، وهي الجماعة المنشقة عن جماعة عباد الرحمن الناشئة في مطلع الخمسينات، ورغم أنه كان مراقبها العام أو أمينها العام من عام 1964 إلى عام 1992، ثم أنشأ في عام 2006 جماعة إسلامية جديدة، هي «جبهة العمل الإسلامي»، استناداً إلى الرأي الذي أطلقه في كتابه المذكور، فلقد ارتكب معصية وإثماً. واستناداً إلى القرآن الكريم، هو كالتي نقضت غزلها، فأسقط بسلوكه هذا كتابه المذكور، وأسقط معه كتابه الآخر، «مشكلات الدعوة والداعية»، إذ إنه في الكتاب المذكور نقل منه فصلاً (ابتداء من صفحة 73 إلى آخر صفحة فيه، وهي صفحة )125.
قال لي صديق لديه بعض المعلومات الداخلية عن الإخوان المسلمين وعن بعض الحركات الإسلامية الأخرى إنه «صدر تعميم شفاهي بألا يُعتمد كتابه (المتساقطون في طريق الدعوة - كيف... ولماذا؟)، وكتبه الأخرى، في تثقيف الكوادر الإخوانية في العالم العربي، وألا تُباع كتبه في المكتبات الإسلامية فيه». وأضاف موضحاً أن هذه التعاميم التي لها تاريخ طويل في تاريخ الإخوان المسلمين تكون غير مكتوبة. والغاية منها إلحاق الضرر المالي بالمغضوب عليهم، الذي يكون كبيراً، خصوصاً في السعودية، لتوفر القدرة الشرائية فيها. والغاية منها أيضاً - كما أضاف - إلحاق الضرر النفسي والمعنوي بالمغضوب عليهم. والسروريون في السعودية وفي أماكن أخرى يلتزمون تنفيذ تعاميم الإخوان السلمين ولا يخالفونها. فالمغضوب عليه عند الإخوان المسلمين - كما قال لي - هو أيضاً مغضوب عليه عندهم. وإذا ما كانوا بحاجة إلى بعض كتب المغضوب عليهم، فإنهم يستثنونها من الحظر، وذلك على قاعدة: نزكي الكتاب ولا نزكي المؤلف!
على ضوء هذه المعلومات التي أنارني بها صديقي، أسأل: هل ألّف أبو عبد الإله بن مقبل العصيمي كتابه: «من أخبار المنتكسين: مع الأسباب والعلاج»، الصادر في طبعته الأولى عام 1995، ليكون بديلاً لكتاب فتحي يكن: «المتساقطون على طريق الدعوة - كيف... ولماذا؟)؟
أعلمني صديق له سابق انتمى إلى تيار سلفي تكفيري، بعد أن كتبت عن كتاب أبي عبد الإله في حلقات سابقة، أن كتابه كان منتشراً عندهم، وعند التيار السروري.
يزعم أبو عبد الإله من بين ما يزعمه في أسباب اختياره موضوع كتابه، أن مَن كتب في هذا الموضوع لم يُفرد له مؤلفاً، بل وضعه في ثنايا كتاب من كتبه. وهذا غير صحيح، فكتابه - كما قلتُ عنه في المقال السابق - محاكاة ساذجة وهزيلة لكتاب فتحي يكن. فنوعان من الانتكاس عنده هما نفسهما المذكوران عند فتحي يكن، لكن مع اختلاف في صياغة عبارتيهما. والنوع الثالث الذي ذكره، وهو الارتداد عن دين الله، صحيح أن فتحي يكن لم يعرّج عليه في كتابه، لكن إذا ما أخذنا القصيمي بوصفه عينة للارتداد عن دين الله؛ فهو قد كان يجهله تماماً في مرحلة إيمانه، وفي مرحلة إلحاده. والأربعون سبباً للانتكاس التي ذكرها في كتابه، العديد منها مذكور في كتاب فتحي يكن. ومع هذا ضلل القارئ بأن كتاب فتحي يكن هو، فحسب، مرجع من بين مراجع كثيرة رجع إليها.
الأربعون سبباً التي رأى أنها مسببة للانتكاس، كثير منها تعليل غثّ وسطحي وتافه، لكن استرعى انتباهي سبب ذكره، وهو عدم الهجرة.
ومما قاله في هذا السبب: «إن ترك الهجرة والمكث في بلاد ومواطن الفتن من أهم وأخطر العوامل التي تؤدي إلى الردة والعياذ بالله؛ فكم من مسلم فارق دينه بسبب معاشرة الكافرين»!
وبعد كلام طويل عن ضرورة الهجرة، ختم كلامه بقوله: «أعرف إنساناً بذل معه أهله كل السبل والطرق لترك التزامه وتمسكه بدينه، وأصبح وجوده معهم سبيلاً لا مفر منه للانتكاس، وهو مع ذلك يرفض مفارقتهم، مع علمه بأنه لا يستطيع التأثير فيهم، بل لا يستطيع المحافظة على التزامه، فليت شعري كيف يكون هذا لوكان الأمر أشد من ذلك، هو مفارقة الوطن كله، والخروج من البلد، والتضحية بالأموال والأهل؛ فماذا عساه أن يفعل؟»!
كما نعلم، لا توجد أسرة في السعودية وفي العالم العربي تفعل ما زعمه أبو عبد الإله في قصته هذه، حتى لو كانت هذه الأسرة شديدة في تحررها الفكري. والحاصل أن أسراً تُبتلى بأبناء مغالين في دينهم. والصحوي عادة، حتى لو كان صغيراً في السن، يكون سلطويّاً وتسلطيّاً بسبب لقافة دعوية وديكتاتورية صحوية، ولا يدع أسرته في حالها، حتى لو كانت أسرته أسرة متدينة تديناً عادياً ومعتدلاً؛ فهو يريد أن يخضعها لإملاءاته المتشددة التي تحرم عليهم ما هو مباح في الدين، فتحاول هذه الأسرة - إن كانت أسرة واعية - دفاعاً عن نفسها ودفاعاً عنه نزع فتيل الغلو والتطرف من فكره وسلوكه.
وبمناسبة كلامه الأول عن ضرورة الهجرة، أذكر أنني تعرفتُ في آخر سنتين من عقد الثمانينات على مدرّس في كلية هي غير الكلية التي كنت أدرس فيها بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقلتُ له ذات مرة إن الجامعة على غير سياستها في عهود سالفة خلقت جواً يشجع على النفاق الديني؛ فبعض الأساتذة بعدما تم تعاقدها معهم على التدريس فيها صار إخوانياً. ومن مراجعة مؤلفات هذا البعض قبل أن يقدموا إلى السعودية، لم أجد فيها حساً وتوجهاً إخوانياً. كما أنني ألمس من أحاديثهم عن النظرية الإسلامية في العلوم الاجتماعية وفي شأن الدعوة الإسلامية أنهم مستجَدّون وطارئون على الاتجاه الإسلامي؛ فعلّق قائلاً: أزيدك من الشعر بيتاً، فبعض زملائنا العرب مع انتهاء مدة عقده، يستطيع بسهولة أن يجدده بدعوى أنه مطارَد من حكومة بلاده، لأنه من الإخوان المسلمين، مع علم بعضنا أنه ليس لهم صلة بالإخوان المسلمين في بلادهم. لكن ما باليد حيلة، فالتيار - يا علي - جارف والموج عالٍ.
صنع الإسلاميون أسطورة اضطهاد الإسلام وامتحانه في بعض البلاد العربية منذ الخمسينات والستينات الميلادية، فأشاعوا أن حكوماتهم تشتبه بك إذا ما رأتك محافظاً على أداء الصلوات الخمس!
خُلِقت هذه الأسطورة وتخلقت في زمن أبعد في بلد غير عربي، وهو تركيا، وذلك في فترة حكم كمال أتاتورك. ولما التقى الهندي مسعود الندوي بطلبة أتراك في 5 – 2 - 1949 يدرسون في كلية الشريعة ببغداد، سألهم هو ومن معه، عن موقف الحكومة من تلاوة القرآن الكريم بمتنه العربي، فقالوا إن الحكومة لم تفرض قيوداً من أي نوع على قراءة القرآن الكريم، وهذه خرافة لا أساس لها من الصحة، ولا شك أن الأذان باللغة العربية ممنوع، وهذا المنع يمكن أن ينتهي قريباً.
وما قاله هؤلاء الطلبة الأتراك في ذلك العام قد تحقق بعد حين من الزمن.
إن حديث أبو عبد الإله عن ضرورة الهجرة للفرار بالدين من المحن والفتن إلى محل يأمن فيه المسلم على نفسه ودينه من الآثام، ضرب من الاغتراب الثقافي عن الواقع وعن الحياة وتعلق بأوهام وترهات لا أصل لها. وليس واضحاً إن كان يقصر حديثه على البلدان العربية والبلدان الإسلامية، أم يشمل به بلداناً غير إسلامية، كالبلدان الأوروبية. وإن كان يشمل بحديثه البلدان الأوروبية، فمن المتواتر أن هذا البلدان، منذ زمن بعيد، لا تضطهد الأديان والمذاهب الدينية ولا تضطهد الإنسان لدينه ولمذهبه الديني ولمعتقداته السياسية والفكرية. والمسلمون في هذه البلدان وفي بلدان سواها لم يفارقوا دينهم لمعاشرتهم لغير المسلمين.
إن أوروبا وأميركا منذ عقود طويلة كانت من ضمن البلدان التي يلجأ إليها الإسلاميون العرب المتورطون في أنشطة سياسية معادية لحكوماتهم العربية. وبعض حكومات أوروبا والحكومة الأميركية التي يسميها ويسمي شعوبها «الكافرة»، كانت هي الحادبة عليهم بجميع تياراتهم، بدعاوى آيديولوجية مختلفة، ومنها خرافة اضطهادهم في بلدانهم.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة