من المسؤول؟

من المسؤول؟

الثلاثاء - 9 صفر 1441 هـ - 08 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14924]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
بنظرة سريعة على الخريطة، نجابه هذا الواقع الأليم، وهو أن كل هذه المنطقة، من أفغانستان إلى المغرب العربي، مروراً بسوريا ومصر والسودان، تعاني من اضطرابات وثورات تسعى إلى تغيير الأنظمة القائمة تحت شعار «ارحل». يعتقد القوم أن مجرد تغيير النظام سيحل مشكلات الفقر والبطالة والجوع. كنت أتصور أن فشل الربيع العربي قد علمهم غير ذلك. هذه المشكلات أعوص وأعمق من ذلك بكثير.
السبب الرئيسي هو أن الأرض لم تعد قادرة على إنتاج الغلة الكافية لإطعام هذه الزيادات السكانية المفرطة المستمرة. ما حدث هو أن التقدم الطبي منذ القرن التاسع عشر أخذ يمنع موت الناس بتلك السهولة، وتمت السيطرة على تلك العلل الوبائية، الجدري والطاعون والكوليرا مثلاً. حتى السل الذي كان يقتل الشباب (المسؤولين عن الإنجاب) أصبح مرضاً يسهل علاجه. وأخذ الأطباء يعالجون حتى العقم ومشكلات الإنجاب، وراحت الكثافات السكانية تتفاقم من يوم إلى يوم. من المسؤول عن كل ذلك؟ لا أستطيع أن أذكر مسؤولاً عن كل ذلك غير الغرب؛ طبعاً بحسن نية ودافع إنساني.
غير أن الغرب الذي حقق ذلك، لم يحقق ما يوازيه من الإنتاج الغذائي؛ لم يوسعوا مساحة الأراضي المزروعة والمياه اللازمة بالوتيرة نفسها التي حققوا فيها الزيادة السكانية. هكذا، تعاظم البون بين الأفواه الجائعة والخبزة في السوق. وسيجد دعاة «ارحل» أن المشكلة العويصة لبلادهم لن تحل بمجرد ترحيل النظام.
بيد أن الغرب يتحمل مسؤولية هذه المعضلة من زاوية أخرى. كان عالمنا الثالث معتاداً على الجوع والفقر، ولكنهم تحملوا ذلك لقرون بفعل الصبر والسلوان والإيمان. ولكن الغرب راح يملأ أسواقنا بالراديو والتلفزيون والسينما والفضائيات التي راحت تضخ مقاهينا وبيوتنا ومدارسنا بمظاهر الخير والترف الذي يعيش فيه الآخرون؛ الناس في الغرب. كل هؤلاء الحسناوات المشطحات على البلاجات يأكلن الآيس كريم، ويتشمسن بالشمس بالمايوه. «مش معقول»! قال المواطن العربي الجائع. وبفعل ما رآه على وسائل الترفيه، تحطمت في صدره مفاهيم الصبر والسلوان: «لن أتحمل ما تحمله آبائي وأجدادي. أريد أن أعيش مثل الآخرين».
وهذه بجلاء مسؤولية الغرب عما يغلي في صدور المتظاهرين في القاهرة والخرطوم، وهي ليست مشكلة الربيع العربي، وإنما مشكلة الربيع الغربي. ولكن الغرب راح الآن يدفع الثمن بتدفق المهاجرين الجياع على جنائنه في شتى الاتجاهات. هكذا، جنت على نفسها براقش!

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة