قصة المساواة... أولاد يشاهدون مباراة

قصة المساواة... أولاد يشاهدون مباراة

الأربعاء - 3 صفر 1441 هـ - 02 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14918]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي
تخيَّلْ أنَّكَ تتحدَّثُ عن المساواة، فيبادر أحدُ السامعين بالقول مثلاً: «أنا لا أقبل المساواة، بل أطالب بالعدالة». وإذا كان الجدلُ على «تويتر» مثلاً، فربَّما يدعم رأيَه برسم يظهر ثلاثة أولاد: قصيرِ القامة وطويلٍ ومتوسطِ الطول، يشاهدون مباراة لكرة القدم من وراء حاجز، وقد اعتلوا جميعاً كراسيَ متساويةَ الارتفاع، فلم يستطعِ القصير والمتوسط مشاهدةَ الملعب، بسبب ارتفاع الحاجز.
ولتوضيح الفكرة، وضع رسماً آخر يظهر الولدين القصير والمتوسط وقد اعتليا صندوقاً خشبياً أكثر ارتفاعاً، فتمكنا من مشاهدة المباراة. ووضع تحت الصورة الأولى اسم «المساواة» وتحت الثانية اسم «العدالة».
بعض الذين جادلوا، ظنوا أن الصورتين تقدمان مقارنة بين المساواة والعدالة. وهذا لم يكن صحيحاً. الصحيح أن غرضهما إيضاح «مبدأ الفرق» الذي طوَّره الفيلسوف المعاصر جون راولز. وراولز هو زعيم التيار المعروف بـ«المساواتي» (Egalitarian)، الذي يدعو، كما هو واضح من اسمه، إلى مساواة تامة بين الناس. لكنه يضع هذه الدعوة في سياق التطور نحو نظام اجتماعي عادل.
وفحوى «مبدأ الفرق» أنه حيثما تسبَّبت المساواة في الإضرار بأحد الناس، بسبب عجز فيه أو قصور في النظام، فعلى المجتمع - الدولة تمييز المتضرر بدعم استثنائي، حتى يتمكَّن من المنافسة المتكافئة مع الجميع. طبق «مبدأ الفرق» في الولايات المتحدة وبريطانيا، ضمن معالجة موسعة للتمييز المؤسسي ضد الملونين والنساء في الأكاديميا والإدارة الحكومية والشركات الكبرى.
قبل ذلك، كانت تلك المؤسسات ترفض السود والصقليين واللاتينيين وبعض الآسيويين، رجوعاً إلى تقاليد انتشرت أوائل القرن العشرين، تدعو إلى «تصفية العرق الوطني». لكنها منذ ستينات القرن، باتت مضطرة قانونياً إلى قبول نسبة محددة من الشرائح المذكورة، حتى لو كانوا أقل كفاءة من منافسيهم. وأثمرت هذه القوانين عن تصفية «تقاليد التمييز» خلال فترة قصيرة نسبياً، وتحقيق قدر مؤثر من المساواة المؤسسية.
المساواة ليست موازية للعدالة بل جوهرها. يقول أمارتيا سن، وهو اقتصادي وفيلسوف هندي، فاز بـ«جائزة نوبل» (1998)، إنَّ «المساواة فرضية أولية في كل نظرية حول العدالة في الأزمنة الأخيرة. تتباين هذه النظريات في المقاربة والأولويات والنتائج. لكنها تشترك في خاصية أساسية هي المطالبة بالمساواة في شيء ما».
إن الداعي للتشديد على مبدأ المساواة مرة بعد أخرى، هو الخلط الحاصل بين معانٍ متباعدة، بعضها لا يمتُّ للآخر بصلة. فنحن لا ندعو مثلاً للمساواة بين الناس في الأعمال والرواتب، وطرق العيش والملبس والمسكن إلخ. إنما نؤكد التكافؤ المطلق بين الناس جميعاً، في القيمة والكرامة والحقوق. يولد الناس جميعاً سواء، بلا فرق بين عربي وأعجمي، بين أبيض وأسود، ولا بين مسلم وغيره. إنما يتفاضل الناس بحسب كدِّهم وكسبهم وحظهم في الحياة، ومع ذلك يبقون متساوين في الحقوق والواجبات وأمام القانون.
لقد عشنا ردحاً من الزمن، نرى قضاةً يهدمون عائلات، لعدم تكافؤ النسب بين الزوجين، ورأينا علماءَ دينٍ ينادون صراحة بمنع التزاوج بين العرب وغيرهم، صوناً لعرق العرب من الاختلاط بأعراق أدنى، وقرأنا لمن يصف النساءَ بالحيوانات.
هذه الآراء وأمثالها راجعة للاعتقاد بأن الناس لا يولدون على درجة واحدة، بل يتفاوتون في القيمة لحظة ولادتهم، ولذا يتفاوتون في الاعتبار والحقوق لاحقاً. هذا هو الأصل الذي ينقض المساواة، وهو من أعظم الفتن التي ابتلي بها تراث العرب والمسلمين. وقد حانَ الوقتُ كي نبرِّئَ أنفسَنا منه ونتحرَّرَ من تأثيراته.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة