مايكل سترين
بالاتفاق مع «بلومبيرغ»
TT

ربما ستختفي الشعبوية قريباً... اهدأوا!

تحولت الشعبوية لواحدة من السمات البارزة للحياة العامة، وتقوم على خطاب مظلومية وسخط وتعمل على تحرض «الشعب» ضد «النخبة». وتقف وراء السياسات الحمائية التي ينتهجها الرئيس دونالد ترمب والعداء الذي يبديه إزاء المهاجرين، شعور شعبوي بالإحباط في تيار اليمين السياسي. في تيار اليسار، تظهر الشعبوية في صورة سخط تجاه الأثرياء. وقد شهد ميدان التنافس في الانتخابات التمهيدية الرئاسية بالحزب الديمقراطي ظهور مقترحات لفرض عقوبات ضد الأثرياء. وتحولت التسويات والحلول الوسطى إلى كلمة سيئة السمعة. أما التعاون السياسي مع الطرف المقابل، فأصبح أمراً يثير الاشمئزاز.
والتساؤل هنا: إلى متى سيستمر هذا الوضع؟
لدى علم الاقتصاد شيء للإدلاء به على هذا الصعيد. في إطار دراسة نشرت عام 2016، عكف الخبراء الاقتصاديون الألمان مانويل فونكي وموريتز شولاريك وكريستوف تريبيش على دراسة التداعيات السياسية للأزمات المالية. وجمعوا وحللوا مجموعة من البيانات تغطي ما يزيد على 800 انتخاب داخل 20 اقتصاداً متقدماً (منها الولايات المتحدة) ما بين عامي 1870 و2014.
وخلص الخبراء إلى أن أحزاب اليمين المتطرف شهدت زيادة بنسبة 30% في نصيبها من الأصوات خلال السنوات الخمس التالية لوقوع أزمة مالية. واتسمت الأحزاب التي نالت هذه المكاسب بخطاب قومي ومعادٍ للأجانب. وتتوافق الأزمة المالية الأخيرة مع هذا النمط، مع حصد أحزاب اليمين المتطرف الشعبوية لأكثر عن ضعف نصيبها من الأصوات بعد عام 2008 داخل كل من فرنسا والمملكة المتحدة والسويد وفنلندا وهولندا والبرتغال واليابان.
وتوصل الخبراء إلى أنه منذ الحرب العالمية الثانية تحديداً، جعلت الأزمات مسألة إدارة الحكم أكثر صعوبة وارتبطت بانحسار حجم الأغلبية التي يحظى بها الحزب القائم في السلطة، وتنامي قوة المعارضة السياسية وحدوث قدر أكبر من التشرذم السياسي. وارتفعت أعداد الأحزاب الممثلة داخل البرلمان. ومنذ عام 1950، دخل ما يزيد على حزب واحد إضافي، في المتوسط، إلى المجلس التشريعي خلال فترة السنوات الخمس التالية لوقوع أزمة مالية. أيضاً، ارتفعت وتيرة خروج مظاهرات إلى الشوارع وأعمال شغب وإضرابات.
في المقابل، نجد أن فترات الركود التي لا تنجم عن أزمات مالية تشهد القليل نسبياً من هذه التطورات.
ويوحي القائمون على الدراسة بأن فترات الانحسار الاقتصادي غير المالية - مثل وقوع صدمات فيما يخص أسعار النفط - ربما ينظر إليها الناخبون باعتبار أنه من الممكن التماس العذر بشأنها، وأنها تقع خارج دائرة سيطرة النخبة الحاكمة. على الجانب الآخر، فإن فترات الركود المالي ربما ينظر إليها باعتبارها نتاج سياسات وقرارات فاشلة من جانب النخبة الحاكمة.
إضافة لذلك، فإن الإجراءات المتخذة للتغلب على فترات الركود الاقتصادي - مثل شراء البنوك المركزية لأصول طويلة الأمد - تبدو استثنائية، وربما تقلص الثقة في الحكومة. أيضاً، يمكن أن تشكل الإعانات المالية المرتبطة بالأزمات المالية مصدراً للغضب الشعبوي، وربما تثير الأزمات المالية نزاعات حادة بين الدائنين والمدينين تقوض النسيج الاجتماعي.
أما النبأ السار الذي تحمله الدراسة، فهو أن الاضطرابات السياسية الناجمة عن وقوع أزمة المالية، تتسم بطبيعة مؤقتة. وبعد عشر سنوات من وقوع أزمة مالية، تعود تقريباً جميع العوامل المتغيرة التي تفحصتها الدراسة إلى مستوياتها الطبيعية خلال فترة ما قبل وقوع الأزمة.
اليوم، يفصل بين الولايات المتحدة والأزمة التي وقعت عام 2008 قرابة عقد. وإذا انطبق نموذج تواتر الأحداث الذي سار على مدار القرن ونصف القرن الماضيين على الولايات المتحدة، فإن هذا يعني أن المشهد السياسي بها سيعود قريباً إلى وضعه الطبيعي. بالطبع، لا نعاين هذه العودة حالياً - لماذا؟ ربما لأن الأزمة التي وقعت منذ عقد كانت على درجة بالغة من الحدة جعلت عملية عودة الحياة السياسية لطبيعتها تستغرق وقتاً أطول.
جدير بالذكر أن «الركود العظيم» انتهى لبعض الأشخاص في وقت مبكر عن آخرين. واستغرق الأمر قرابة ثماني سنوات بعد الركود كي تصل معدلات البطالة لما كانت عليه قبل وقوع الركود. في ديسمبر (كانون الأول) 2012، بعد ثلاث سنوات من انتهاء حالة الركود رسمياً، كان 7.9% من العمال ما يزالون يعانون البطالة. قبل عام 2008، لم تشهد الولايات المتحدة معدل بطالة بهذا الارتفاع منذ منتصف الثمانينات. وبعد خمس سنوات، بدأت معدلات البطالة في التراجع لتصل إلى نطاق الـ5%.
عندما بدأ الركود، كان 1.3 مليون عامل يبحثون بدأب عن وظيفة لمدة ستة أشهر أو أكثر دونما نجاح. خلال ذروة فترة الركود، كان هناك 6.8 مليون عامل عاطل منذ فترة طويلة.. رقم صادم. وحتى وقت قريب - تحديداً عام 2015 - كان عدد العاطلين منذ أمد طويل ضعف ما كان عليه عشية وقوع الركود.
وبالنظر إلى وتيرة التعافي الاقتصادي البطيئة والتداعيات الاقتصادية والنفسية المستمرة من فترة «الركود العظيم»، فإنه ربما لا يكون مثيراً للدهشة أن الشعبوية ما تزال تشكل قوة فاعلة داخل الولايات المتحدة.
ومن بين الحجج الأخرى الداعمة للنهاية الوشيكة للشعبوية، إخفاق سياستها في تحقيق الأهداف المرجوة للشعب الأميركي. ولننظر على سبيل المثال إلى الحرب التجارية التي أشعلها الرئيس ترمب مع الصين، والتي لم تثمر زيادة سريعة في فرص العمل بقطاع التصنيع الأميركي. ولم تفلح هذه السياسات حتى في تقليص العجز التجاري.
وتشير الأرقام إلى أن متوسط العجز التجاري الشهري كان أعلى خلال عامي 2018 و2019 عن السنوات الأخيرة السابقة. كما تسببت الحرب التجارية في تقليص الدخل الوطني وزيادة الأسعار التي يواجهها المستهلكون.
المؤكد أن الواقع الاقتصادي عامل قوي في المشهد السياسي. والملاحظ أن السياسات الشعبوية بدأت تفقد شعبيتها على نحو متزايد. مثلاً، كشف استطلاع أجرته «واشنطن بوست» و«إيه بي سي نيوز» أن 56% ممن شملهم الاستطلاع رافضون لأسلوب تعامل الرئيس ترمب مع المفاوضات التجارية مع الصين.
وأعرب 35% فقط عن رضاهم عن هذا الأسلوب. كما أعرب 43% عن اعتقادهم بأن هذه السياسات التجارية والاقتصادية ستفاقم فرص حدوث ركود، وأعرب أقل من نصف المشاركين عن رضاهم عن مجمل أسلوب إدارة ترمب للاقتصاد ككل.
وقال 60% إنهم قلقون من أن تسفر الحرب التجارية مع الصين عن ارتفاع الأسعار.
وعليه، لا داعي للشعور بالذعر إزاء الشعبوية. ولا داعي للمبالغة في رد الفعل. ولا ينبغي لليسار تحويل القانون الضريبي لسلاح يعاقب به الأثرياء. ولا ينبغي لليمين الانسحاب من التزاماته تجاه حرية التجارة والأسواق والمسؤولية الشخصية والانفتاح على العالم. باختصار، رد الفعل الملائم تجاه الشعبوية هو: الصبر.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»