سياسة أم كلمات متقاطعة؟

سياسة أم كلمات متقاطعة؟

الثلاثاء - 26 ذو الحجة 1440 هـ - 27 أغسطس 2019 مـ رقم العدد [14882]
داود الفرحان
كاتب عراقي
أمر جميل أن تكون الكلمات المتقاطعة من بين هوايات الزعيم أو الرئيس أو السياسي إلى جانب هوايته المفضلة في تقديم الوعود للمواطنين بلا تنفيذ. وأجمل من ذلك أن يستعين بزعيم أو رئيس أو سياسي آخر من داخل حدود بلده أو خارجها لحل كلمة مستعصية. فما المانع أن يتصل الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب هاتفياً بالرئيس الإيراني حسن روحاني ليعرف منه ما هو اسم عاصمة إيران؟ أو يتصل الرئيس الفرنسي الحالي ماكرون بالرئيس الفرنسي السابق ساركوزي ليسأله عن اسم ممثلة فرنسية معتزلة من 11 حرفاً أولها «باء».
يعشق ملايين في أنحاء العالم هواية حل الكلمات المتقاطعة، لأنها تنشط الذاكرة وتضيف للمرء معلومات جديدة في التاريخ والجغرافيا والآداب والفنون والعلوم والرياضة والسياسة والاقتصاد. وازدادت أهمية هذه اللعبة مع تأكيد الأطباء أنها تساعد المخ في مواجهة انقراضه التدريجي كلما تقدم الإنسان في السن، فهي تساعد في مواجهة فقدان الذاكرة «الزهايمر»، وربما تمنعه أو على الأقل تخفف ثأثيره.
ومنذ سنوات حدث تطور مهم في هذه اللعبة، إذ دخلت مجال التخصص؛ فالصحف الاقتصادية تنشر كلمات متقاطعة متخصصة في القضايا الاقتصادية والتجارية، والصحف الرياضية تنشر كلمات متقاطعة عن الألعاب واللاعبين والمسابقات، بينما تخصص المجلات الفنية كلماتها المتقاطعة لمعلومات عامة عن السينما والموسيقى والمسرح. حتى الصحف والمجلات الساخرة دخلت على الخط فابتدعت كلمات متقاطعة ساخرة. إلا أن هذا النوع الأخير من الشبكات ليس محصوراً في المجلات الساخرة، فقد دخلت على الخط صحيفة «نيويورك تايمز» وبدأت في عام 2007 تنشر شبكة كلمات متقاطعة ساخرة. إلا أن الخبر الأهم هو أن مُعدّها لم يكن بيل شورتز أشهر من يكتب الكلمات المتقاطعة الجادة، لكنه الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون! وقدمت الصحيفة لهذه الكلمات في حينه بسطرين كتبهما بيل شورتز قال فيهما: «إن مفاتيح الحل في هذه الشبكة من الكلمات المتقاطعة فيها من التورية اللفظية أكثر مما في الشبكات العادية. ونحن نحذرك!». أمر عادي أن يمضي الرئيس السابق كلينتون بعض أوقات فراغه في حل الكلمات المتقاطعة، ولكنه أمر استثنائي أن يعدّ بنفسه شبكات طريفة وساخرة تنشر في أهم وأكبر صحيفة أميركية؛ مما دعا المذيعة التلفزيونية الشهيرة أوبرا وينفري لعرض حلقة خاصة عن كلمات كلينتون المتقاطعة، اتسمت بالترفيه والتفاعل.
ومعروف عن كلينتون أنه يهوى حل الكلمات المتقاطعة منذ أن كان رئيساً للولايات المتحدة، حيث كان يمارسها في البيت الأبيض كلما فكر بقصف العراق قبل أن يتورط في فضيحة مونيكا. ومن المؤكد أن هناك رؤساء وزعماء آخرين في العالم يمارسون هذه الهواية، أقصد الكلمات المتقاطعة، وبين هؤلاء الملكة البريطانية إليزابيث الثانية وزوجها دوق أدنبرة اللذان وجدا في هذه اللعبة قتلاً لوقت فراغهما الطويل. وأشهر رئيس عربي في حل ألغاز هذه اللعبة كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
من المعلومات التي نشرتها الصحف عن هذه اللعبة أنها استخدمت لنقل معلومات سرية خلال الحرب العالمية الثانية. ووزعت وزارة الدفاع الأميركية على جنودها خلال تلك الحرب كتيبات كلمات متقاطعة لرفع معنوياتهم في أوقات الهدنة والاسترخاء. وتصل إلى الجنود الأميركيين في العراق أو أي مكان آخر بانتظام صحف ومجلات تتضمن في صفحاتها شبكات للكلمات المتقاطعة يتسلون بحلها كلما نشرت الصحف تغريدة للرئيس ترمب يهدد فيها إيران بالحرب. وقد يسر الإنترنت المهمة مؤخراً بتصميم تطبيقات لشبكات الكلمات المتقاطعة تجدها الآن على هاتفك الجوال.
نعود إلى التاريخ قليلاً: يعتبر الصحافي البريطاني آرثر وين هو «مخترع» الكلمات المتقاطعة، وأول من أدخلها إلى الصحافة حين نشر أول شبكة في ديسمبر (كانون الأول) 1913 في صحيفة «نيويورك وورلد». وفي بداية نشر اللُعبة قللت الصحف المنافسة من أهميتها وتأثيرها، واعتبرتها مضيعة وقت وغير ثقافية، ورفضت نشرها، حيث اعتبرت «نيوريوك تايمز» الكلمات المتقاطعة أمراً تافهاً وعابراً. كما أطلقت «التايمز» البريطانية عليها صفة «الجنون المؤقت»، زاعمة أن هذا «الجنون» لا يخدم هدفاً مفيداً على الإطلاق، وأنه ظاهرة وصيحة مؤقتة ستنتهي قريباً.
وفي عام 1925 عُرضت على مسرح برودواي الأميركي الشهير مسرحية هزليّة ساخرة ظهر في أحد فصولها هواة الكلمات المتقاطعة مرضى في مصحّة! وفي نفس العام بدأت قطارات الركاب الأميركية بوضع قواميس مجانية في جميع العربات لتسهيل حل المربعات، ثم أصبحت تبيع هذه الخدمة.
عربياً، دخلت الكلمات المتقاطعة إلى صحافتنا في النصف الثاني من القرن العشرين. وكانت مجلة «الشبكة» الفنية التي تصدرها دار الصياد أول مجلة عربية تخصص صفحة كاملة أو أكثر لأكبر شبكة كلمات متقاطعة أسبوعية. لكنها كانت تهتم بالمعلومات الفنية مثل الأغاني والأفلام والمسرحيات ونجوم الفن. وبدأت بعد ذلك الصحف اللبنانية اليومية بنشر المربعات العامة. تلتها الصحافة المصرية والخليجية. لكن السياسة لم تستطع فرض نفسها على الكلمات المتقاطعة لسببين: أولهما أن أكثر المهتمين بحل هذه الكلمات قراء لا علاقة لهم بالسياسة وسياسيين ملّوا من السياسة، وثانيهما أن تصريحات السياسيين من نوع ندد وشجب وأدان وأعرب عن قلقه والضوء في آخر النفق والخط الأحمر وعنق الزجاجة والضرب بيد من حديد وفي الحقيقة والواقع والصمود والتصدي وأذناب الاستعمار وفلول النظام، صارت أسطوانة قديمة ومشروخة ولا أحد يشتريها بفلس واحد. أما تغريدات ترمب فهي كلمات متقاطعة بحد ذاتها تفسرها البلابل كما تشاء. لكن الصحافة العراقية ابتدعت مؤخراً شبكة جديدة غير الكلمات المتقاطعة اسمها «شبكة التصريحات المتقاطعة».
بعد هذه «الدردشة» من المفيد أن نتسلى بهذا النموذج:
اسم سفينة إيرانية احتجزتها بريطانيا. اسم سفينة بريطانية احتجزتها إيران. اسم سفينة إيرانية أطلقتها بريطانيا. اسم سفينة بريطانية ستطلقها إيران. اسم الحرب التي سيشنها ترمب، إذا شنها، على إيران. للعلم: «أم المعارك» هي التي خاضها العراق و«أم الحروب» هي التي تهدد بها إيران الولايات المتحدة و«أم علي» من ألذ الحلويات المصرية.
حين أراد الصحافي الفلسطيني توفيق الحاج وصف ما يحدث في عالم السياسة اليوم قال: «نحن في زمن الكلمات المتقاطعة».

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة