في علم الإدارة، نستطيع أن نكشف نمط القيادي أو شخصيته، من مدى شعوره تجاه أكثر موظف يحاول عادة تحاشي العمل معه. هذا الموظف يسمى تحديداً «الأقل قبولاً» من وجهة نظر رئيسه. بعبارة أخرى: يعد التعامل مع هذا الشخص معاناة مستمرة لأسباب مختلفة، غير أن القائد يجد نفسه مضطراً للاحتكاك به - أو بها - لتسيير الأمور، فهي ضريبة التعامل مع البشر.
هذه ما تسمى نظرية «القيادة الظرفية» الشهيرة، وقد كشف صاحبها فريد فيدلر أن هناك أدلة علمية تشير إلى أنه حينما نصف شعورنا عند الاحتكاك مع هذا الموظف الذي «نكره» لحظات التعامل معه، فإننا سنكشف بوضوح عن أسلوبنا القيادي عموماً. فمثلما لا تظهر شخصيتنا الحقيقية أحياناً إلا في لحظات الغضب أو الانفعال، فإن العلماء يَرَوْن أن شعورك تجاه الموظف الذي تتحاشى التعامل معه، هو أصدق علاقة تظهر نمطك القيادي الحقيقي.
وعليه، فإننا حينما نريد قياس ذلك، نطلب من القياديين تخيل أكثر شخص كانوا أو ما زالوا يتحاشون العمل معه في مسيرتهم الوظيفية، ليس لاعتبارات كره أو محبة شخصية؛ بل لكونه يصعب معه إنجاز المهام المطلوبة، ثم يجيبون عن أسئلة اختيرت بعناية فائقة، تصف العلاقة مع هذا الفرد.
فقد تبين بالفعل أن حصول القائد على درجة عالية في «معدل التعامل مع الزميل الذي يتحاشى العمل معه» (LPC)، يعني أن القائد تحكمه العاطفة في التعامل مع الفرد، أما انخفاض الدرجة فيعني أن علاقته بمن يتعبه في العمل لا تؤثر بالضرورة عليه كقائد، إذ يمضي في إنجاز العمل على أكمل وجه، بغض النظر عن علاقته بالموظفين المتراخين أو السيئين في العمل.
مشكلتنا تكمن حينما نخلط - كقياديين - مشاعرنا بالاعتبارات المهنية، فنبدأ نزدري أو نتعالى أو نلاسن الآخرين؛ لأننا لا نحبهم، أو لتقاعسهم، وننسى أن كبار المسؤولين لديهم سلطة تفوق المديرين والموظفين، فليس من المعقول أن نقابل المتعبين في العمل بتلك الندية.
أحد الخيارات أن ندفع هؤلاء الذين يصعب التعامل معهم، للعمل مع أكثر من رئيس فريق عمل، حتى ينكشفوا للجميع، فتقام عليهم الحجة من أطراف عدة. فنكون قد وأدنا احتمالية الشخصنة.
هذه النظرية طبقت في أماكن كثيرة حول العالم، وتبينت فعاليتها في كشف شخصية القادة. ويمكن استخدامها مثلاً عند تعيين مديرين جدد لقياس جانب من شخصيتهم القيادية.
كما أن هذه الأبحاث صارت تثبت مثل غيرها من النظريات الحديثة، أن القيادة أمر يمكن قياسه، وليست مجرد مهارات فطرية، مثلما كانت تشير إليه نظريات «الرجل العظيم» في النصف الأول من القرن الماضي، والتي تعتقد أن القائد «يولد» بمهارات فطرية تجعله عظيماً. وتعطينا النظرية الظرفية انطباعاً بأن المرء يمكنه التحكم في انفعالاته، مهما كانت ردود فعل الآخرين سلبية تجاه العمل أو مرؤوسيه.
مشكلة هذه النظرية في عصرنا، أن الشخص الذي يعد الأقل تفضيلاً بالنسبة للقيادي قد لا يستمر في المؤسسة؛ خصوصاً مع تسارع وتيرة التغيير حول العالم، وتوفر بدائل مدربة ومتعلمة ومؤهلة لتحل محله. لكنها تبقى نظرية علمية تطبيقية رصينة، تثبت أن القيادة أمست علماً يمكن أن يقاس في البشر في كل مكان.
وكما نقول دائماً، ليست هناك نظرية واحدة مثلى في القيادة؛ كلها محاولات لفهم ماذا يجري في عقول وسلوكيات من يقودون ملايين البشر حول العالم.
8:30 دقيقه
TT
«الموظف المكروه» وقائده
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
