دمارات السوريين

دمارات السوريين

السبت - 11 ذو القعدة 1440 هـ - 13 يوليو 2019 مـ رقم العدد [14837]
فايز سارة
كاتب وصحافيّ سوريّ
عندما يتأمل السوريون والمهتمون بالقضية السورية، ما يحيط بسوريا من ظروف ومعطيات، يدركون مقدار الدمار الذي لحق بالسوريين في الفترة التي تلت استقلاله اعتباراً من عام 1949 الذي يؤرخ لبداية الانقلابات العسكرية، وقد أخذ دمار سوريا شكلاً تصاعدياً وصولاً إلى ما صار إليه، بعد ثلاثين عاماً من حكم الأسد الأب كرّس فيها ديكتاتورية عسكرية، أورثها لابنه، فجعل الأخير في نحو العشرين عاماً الماضية من حكمه نموذجاً، لم يعرف العالم أسوأ منه في الديكتاتورية العسكرية، مضت إلى الأبعد في دمار السوريين والسعي لاستعبادهم، وهو مسار مستمر ومتصاعد طالما استمر النظام الحاكم، قابضاً على رقاب السوريين وزمام السلطة في بلدهم.
ويقودنا الحديث عن الدمار، للوقوف عند بعض تفاصيله ومنها أنواعه، وهي ثلاثة؛ أولها دمار قابل للعلاج والتجاوز، كما هي حالات تدمير الممتلكات، التي يمكن إعادة إعمارها أو بناء ما هو أفضل منها بوقت قليل، عندما تتوفر الإمكانات المادية والتقنية، وهي متوافرة في عالم اليوم، ويبحث ويتنافس مالكوها على الفرص الاستثمارية حين إطلاقها.
وثاني أنواع الدمار، ما صعب إصلاحه، ومنه ما يتعلق باستعادة القدرات كما في حالة القدرات البشرية، التي فقدتها سوريا بفعل القتل والعطالة والتهجير والهجرة؛ الأمر الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل بعض المعطلين، وتعويض الأكثرية المفقودة بكادرات جديدة، يتطلب تأهيلها عقوداً من السنوات عبر عمليات تعليم وتدريب طويلة المدى، وكلها ستكون ممكنة بما هو متاح اليوم من إمكانات وخبرات في التنمية البشرية، وبما هو معروف عن السوريين من قابليات.
والنوع الثالث من الدمار هو دمار عميق ومديد ومركب في كثير من حالاته بفعل تشعباته وصلاته بموضوعات أخرى، وهذه بين عوامل تجعل السوريين، يحتاجون إلى عقود من السنوات لعلاج هذا النوع من الدمار، وإذا استطاعوا معالجة شيء، فإن بعضاً آخر منه، سيحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد والإمكانات للتخلص منه، وبخاصة الدمار المتعلق بالفقد والتباعد والمعاناة الفظيعة، التي تعرض لها السوريون، ومثلها ما أصاب العلاقات الإنسانية من تشوهات في إطار الشخصية السورية، والتبدلات التي طرأت في نظرة السوريين إلى غيرهم، ونظرة الآخرين لهم، وكلها تفاصيل في عنوان كبير هو دمار الذات السورية.
إن العنف الذي مُورس ضد السوريين، كان سبباً رئيسياً في خلق كل أنواع الدمار. وبفعل العنف اندفعت موجات من هجرة السوريين خارج سوريا، كما حدث في عقود الاستقلال الأولى، وكان يمكن معالجة هذا الملف بإجراءات تقوم بها السلطة لاستعادة مواطنيها المهجرين والمهاجرين، لكنها امتنعت عن ذلك، وذهبت سلطة الأسد الأب إلى الأبعد في عمليات عنفها الواسع والعميق والمتنوع في الثمانينات، فصار الدمار أكبر، شاملاً مئات آلاف السوريين في سوريا وخارجها، قبل أن تغرق سلطة الأسد الابن في عنفها المتواصل من عام 2011، فصارت دمارات السوريين أكثر من أن تعد وتحصى، ولم تقتصر على المهجّرين والمهاجرين وقد زادوا على سبعة ملايين، بل شملت بقية المقيمين في سوريا؛ مما جعل ذلك مثالاً لدمار عميق ومركب له أبعاد سياسية واقتصادية وإنسانية وقانونية وحقوقية، سوف يصعب علاجه بصورة كلية وشاملة في مدى منظور.
ووسط خليط من السياسة والعنف مزق النظام تركيبة الجماعة الوطنية في سوريا. وكرّس انقسامات حادة بين مكوناتها القومية والدينية والمذهبية وأضاف إليها العشائرية والمناطقية، وزاد إلى ما سبق شيطنة بعض المكونات على نحو ما فعل مع السوريين الكرد وقد نزع عنهم جنسيتهم، وأطلق دعاياته عن ارتباطهم بالمشاريع الاستعمارية والسعي للانفصال وتمزيق وحدة الكيان السوري، وقد ذهب في اتجاه مقارب في التعامل مع الأكثرية من المسلمين السنة بعد ثورة عام 2011، حيث ربطهم بـ«المؤامرة الدولية» والقوى المعادية، وممارسة العنف المسلح والتطرف والإرهاب الموصول بـ«داعش» و«القاعدة»، وفي الحالتين وغيرهما أدت سياسات النظام وممارساته إلى دمار عميق في واقع الجماعة الوطنية، التي كانت جسدت توافقاتها الأولى قبيل الاستقلال عام 1946 في شعار شهير «الدين لله والوطن للجميع»، ثم جاء عهد الأسدين ليهدمها، وسيكون على السوريين القيام بجهود استثنائية على مدى العقود المقبلة لمعالجة ما صار إليه الدمار في هذا الميدان من الحياة السورية.
إن مثالاً من الدمار العميق الذي سببه النظام في السنوات الأخيرة للسوريين، يجسده الوجود الأجنبي في سوريا، سواء الوجود الحليف لنظام الأسد من الإيرانيين والروس وهو الأساس، أو الوجود الآخر الأميركي والتركي، وكلاهما جاء نتيجة ما صارت إليه الحالة السورية في استدعاء الخارج إلى الداخل بهدف تدويل الأزمة، والعيش على تناقضاتها على نحو ما تظهر عليه حالة نظام الأسد اليوم.
لقد سلم النظام كل مقدرات السوريين السياسية والاقتصادية لحليفيه الإيرانيين والروس. ففرض الاثنان رؤيتهما في التعامل مع السوريين في السيطرة عليهم وتنظيمهم وإعادة توزيعهم ديموغرافياً وصولاً إلى تهجيرهم وقتلهم، ثم تجاوزا ذلك بتحويل السوريين إلى رهائن تحت الاحتلال، تتم بهم مساومة الدول الكبرى والإقليمية على قضايا وموضوعات لا تتصل بالقضية السورية، ولا تعني السوريين في شيء، بل إن إيران وروسيا، أعادتا رسم خطط وسياسات حضورهما في شرق المتوسط انطلاقاً من واقع وجودهما في سوريا، وكلها تفاصيل في دمار سيحتاج السوريون إلى كثير من وقت وجهد وبيئات محلية وإقليمية للخلاص منه.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة