لماذا لم يرد ترمب على استفزازات إيران؟

لماذا لم يرد ترمب على استفزازات إيران؟

السبت - 26 شوال 1440 هـ - 29 يونيو 2019 مـ رقم العدد [14823]
عبد العزيز حمد العويشق
الأمين العام المساعد للشؤون السياسية وشؤون المفاوضات في مجلس التعاون الخليجي.
أن تكون في واشنطن، هذه الأيام، شبيه بمتابعة إعصار يتغير اتجاهه وعنفوانه كل يوم، فقبل إسقاط الطائرة الأميركية، كانت العاصمة الأميركية تعج بالتكهنات عما إذا كانت الولايات المتحدة سترد على استفزازات إيران خلال الشهرين الماضيين، المتمثلة في الهجمات المتكررة على ناقلات النفط في مايو (أيار)، وهجمات وكلائها على أنبوب النفط السعودي ثم مطار أبها، ضمن خطة تصعيدية من قبل الميليشيات الحوثية ضد العمق السعودي.
أما بعد إسقاط الطائرة الأميركية من دون طيار يوم الخميس الماضي فقد تيقن الكثيرون أن واشنطن سترد بقوة، ولكنها في نهاية المطاف لم ترد.. فماذا حدث؟
من خلال اجتماعات (مجدولة سلفاً) مع عدد من المسؤولين الأميركيين اتضح لي أن هناك جدلاً واسعاً في واشنطن حول طبيعة الرد الأميركي على التحرشات الإيرانية، وحول تنفيذ استراتيجية مواجهة إيران التي تم الإعلان عنها في بداية العام الماضي.
هناك من ناحية شبه إجماع بين الإدارة الأميركية وقادة الحزبين الجمهوري والديمقراطي على ضرورة منع إيران من الحصول على سلاح نووي، والحد من تدخلاتها في المنطقة ودعم التنظيمات الإرهابية. وهو توجه شعبي أيضاً تدعمه مراكز الأبحاث والمؤسسة العسكرية، واستمرار للسياسات الأميركية منذ قيام الثورة في إيران ومناصبتها العداء للولايات المتحدة.
فالهدف الأميركي هو دفع إيران إلى أن تتصرف كدولة طبيعية في المنطقة، داخل حدودها، وإنهاء طموحها بالهيمنة على المنطقة، وأميركا تسعى لتحقيق هذا الهدف من خلال الضغط الاقتصادي والعسكري والدبلوماسي، ودعوة إيران إلى التفاوض حول جميع القضايا التي تقلق واشنطن، وليس البرنامج النووي وحده.
ومع ثبات هذا المبدأ خلال فترة الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ 1979، تختلف وجهات النظر داخل المؤسسة الأميركية في الوقت الحاضر حول الأدوات والبرنامج الزمني لهذه المواجهة.
فهناك جناح مهم يقوده مستشار الأمن القومي جون بولتون وعدد من القيادات في الإدارة والكونغرس، يرى ضرورة الرد بقوة، عسكرياً، على كل عمل عدائي إيراني، لأن الردع الأميركي العسكري لن يكون فعالاً إذا ظل في المستوى النظري، في حين أن الرد السريع والقوي سيقنع طهران بأنها لن تستفيد شيئاً من تهديد الملاحة الدولية أو الهجمات المتكررة على دول المنطقة، وبالتالي ستجنح إلى التفاوض.
وهناك بُعد آخر سياسي داخلي لهذا التوجه المتشدد، قد لا يعترف به المسؤولون صراحة، ولكنه أمر مألوف في الانتخابات الأميركية، حيث يحتاج الحزب الحاكم إلى إيقاف التحرشات الإيرانية، وتأكيد التفوق الأميركي، قبل أن يشتد وطيس الحملة الانتخابية، وقبل أن يتهمهم خصومهم السياسيون بالضعف أمام استفزازات إيران.
رجحت كفة هذا التوجه لساعات محدودة بعد إسقاط إيران لإحدى أفضل الطائرات المسيّرة الأميركية، وهي طائرة عملاقة (بحجم «بوينغ 747») تحتوي على تقنيات عالية في جمع المعلومات، لم يسبق لها أن وقعت في يد خصوم أميركا، وتوقع الكثيرون ضربة أميركية خاطفة، تُحيّد على الأقل قوات «الحرس الثوري» التي كانت مسؤولة عن إسقاط الطائرة.
ومع أن الرئيس الأميركي يميل عادة إلى هذا الجناح المتشدد، إلا أنه في نهاية المطاف لم يأخذ برأيهم، بل أخذ برأي الجناح الآخر، الذي يرى التروّي، ويبدو أنه يعكس أغلبية داخل المؤسسة الأميركية في الوقت الحاضر.
هذا الجناح لا يقل عداءً لإيران، ولكنه يرى أن مواجهة إيران موضوع مصيري، يجب التعامل معه على المدى البعيد، وأن يتم إعداد العدة له بشكل مُحكم، دون الانسياق إلى مناوشات سريعة يجرها إليها عمداً «الحرس الثوري».
ويشيرون إلى أن سياسة «الضغط الأقصى» التي تبنتها أميركا العام الماضي قد بدأت في النجاح، حين ننظر إلى مؤشرات الاقتصاد الإيراني، وانخفاض صادرات إيران، والإيرادات الحكومية، وقدرة «الحرس الثوري» على الاستمرار في وتيرة تمويله لوكلائه في المنطقة. ويرون أن هذا النجاح هو ما دفع «الحرس الثوري» إلى تصعيد هجماته على الملاحة البحرية وعلى المملكة العربية السعودية.
كان قرار الحكومة الأميركية في شهر أبريل (نيسان) 2019 بتصنيف «الحرس الثوري» منظمة إرهابية ضربة في الصميم، دفع الحرس - وهو منظومة اقتصادية كبيرة كما هو منظمة أمنية وعسكرية - إلى المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة، والتهديد بإغلاق مضيق هرمز وإيقاف تصدير النفط من المنطقة. بل رأينا الجنرال حسين سلامي (قائد «الحرس الثوري» الجديد) يتباهى بإسقاط الطائرة الأميركية المسيّرة كـ«رسالة واضحة وحازمة» موجهة إلى الولايات المتحدة، أي أنه كان أمراً مقصوداً، وذلك في الوقت نفسه الذي كان الرئيس ترمب يحاول التهدئة، ويقول إن الأمر ربما كان حادثاً غير مقصود.
البُعد الانتخابي الأميركي ربما هو ما حسم الموقف هذه المرة، ودفع ترمب إلى التروي، فكل عمل عسكري أمر محفوف بالمخاطر، وكثيرون يتذكرون كيف فشل العمل العسكري في عهد كارتر، وأدى إلى خسارته الانتخابات وقتها لصالح ريغان الذي كان يتفاوض، من وراء ظهر الإدارة الأميركية، مع إيران لإطلاق سراح الرهائن الأميركيين. وهذا ما يحدث هذه الأيام من قبل بعض أركان إدارة الرئيس ترمب. ولهذا يخشى هذا الجناح أن تكون للرد الأميركي تداعيات انتخابية سلبية.
ولكن على الرغم من هذه التعقيدات في الموقف الدولي، ستكون إيران مخطئة إن ظنت أن تردد ترمب هذه المرة يعني أنه لن ينتقم في المستقبل حينما تكون الظروف السياسية مواتية. والخطأ الأكبر هو الاعتقاد أن ثمة انقساماً في المؤسسة الأميركية بشأن التصدي لمحاولة إيران للهيمنة على المنطقة، من خلال الحصول على سلاح نووي، أو برنامج الصواريخ الباليستية، أو دعم التنظيمات الإرهابية والطائفية. فهناك إجماع أميركي على الاستمرار في ممارسة أقسى الضغوط على النظام الإيراني بكافة الوسائل - عدا الهجوم العسكري الشامل - لتغيير سلوكه.
ويمكن القول بأن ثمة توافقاً دولياً واضحاً لدفع إيران إلى طاولة المفاوضات، وتغيير سلوكها، لتصبح دولة طبيعية في المنطقة تعيش وفقاً لميثاق الأمم المتحدة ومتطلبات القانون الدولي.
وإذا لم تنجح هذه الضغوط في تغيير سلوك إيران، فإن الإدارة الأميركية ستتمكن من إقناع مواطنيها وحلفائها بالحاجة إلى الرد العسكري الحاسم على الاستفزازات الإيرانية.
- الأمين العام المساعد للشؤون السياسية والمفاوضات في مجلس التعاون لدول الخليج العربية

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة