كيف تغير وجه التاريخ؟!

كيف تغير وجه التاريخ؟!

الأحد - 19 شوال 1440 هـ - 23 يونيو 2019 مـ رقم العدد [14817]
الحياة ممتلئة بالأمثال والعبر، وقلة من الناس ينتبهون لها ويتفاعلون معها، وكثير من الناس يمرون عليها وكأن شيئاً لم يكن، حالهم كحال الزوابع الترابية، التي ترمّد العيون وتزكم الأنوف.

 وسوف أورد لكم مفارقة حقيقية، كان لها دور مفصلي في عصرنا الحديث، وجاء في الرواية:

 أنه في اسكوتلندا كان يعيش ﻓﻼ‌ﺡ ﻓﻘﻴﺮ يدعى فلمنغ، ﻛﺎﻥ ﻳﻌﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻘﺮ ﺍﻟشديد، لم ﻳﻜﻦ ﻳﺸﻜﻮ ﺃﻭ ﻳتذﻣﺮ ﻟﻜﻨﻪ ﻛﺎﻥ ﺧﺎﺋﻔاً ﻋﻠﻰ ﺍﺑنه من الفقر الذي يعيشه.

 وذات يوم وبينما يتجول فلمنغ في أحد ﺍﻟﻤﺮﺍﻋﻲ، سمع صوت كلب ﻳﻨﺒﺢ ﻧﺒﺎﺣﺎً ﻣﺴﺘﻤﺮاً، فذهب ﺑﺴﺮﻋﺔ ﻧﺎﺣﻴﺔ الكلب حيث وجد طفلاً ﻳﻐﻮﺹ ﻓﻲ ﺑﺮﻛﺔ ﻣﻦ الوحل ترتسم على وجهه ﻋﻼ‌ﻣﺎﺕ الرعب ﻭﺍﻟﻔﺰﻉ.

 لم يفكر فلمنغ، بل ﻗﻔﺰ ﺑﻤﻼ‌ﺑﺴﻪ ﻓﻲ ﺑﺤﻴﺮﺓ الوحل، أمسك ﺑﺎﻟﺼﺒﻲ، ﺃﺧﺮﺟﻪ، وﺃﻧﻘﺬ ﺣﻴﺎﺗﻪ.

في اليوم التالي، جاء رجل تبدو عليه علامات النعمة والثراء ﻓﻲ ﻋﺮﺑﺔ ﻣﺰﺭﻛﺸﺔ، اندهش فلمنغ من زيارة هذا اللورد ﺍﻟﺜﺮﻱ ﻟﻪ ﻓﻲ ﺑﻴﺘﻪ ﺍﻟﺤﻘﻴﺮ، وﻫﻨﺎ ﺃﺩﺭﻙ أﻧﻪ ﻭﺍﻟﺪ ﺍﻟﺼﺒﻲ ﺍﻟﺬﻱ أنقذه ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻮﺕ.

 قال اللورد الثري: «لو ظللت أشكرك ﻃﻮﺍﻝ ﺣﻴﺎﺗﻲ، فلن أوفي لك حقك، أنا مدين لك بحياة ابني، اطلب ما تشاء من أموال»، فأجاب فلمنغ: «سيدي اللورد، أنا لم أفعل سوى ﻣﺎ ﻳﻤﻠﻴﻪ ﻋﻠﻲّ ﺿﻤﻴﺮﻱ، ﻭﺃﻱ ﻓﻼ‌ﺡ ﻣﺜﻠﻲ ﻛﺎﻥ ﺳﻴﻔﻌﻞ ﻣﺜﻠﻤﺎ فعلت، فابنك هذا ﻣﺜﻞ ﺍﺑﻨﻲ، ﻭالموقف الذي ﺗﻌﺮﺽ ﻟﻪ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺘﻌﺮﺽ ﻟﻪ ﺍﺑﻨﻲ ﺃﻳﻀﺎً».

 أجاب اللورد: «ﺣﺴﻨـاً، طالما أنك ﺗﻌﺘﺒﺮ ﺍﺑﻨﻲ ﻣﺜﻞ ابنك، ﻓﺄﻧﺎ سآخذ ابنك وأتولى ﻣﺼﺎﺭﻳﻒ ﺗﻌﻠﻴﻤﻪ حتى ﻳﺼﻴﺮ رجلاً متعلماً نافعاً ﻟﺒﻼ‌ﺩﻩ ﻭﻗﻮﻣﻪ».

لم يصدق فلمنغ، طار ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ، ﺃﺧﻴراً سيتعلم ﺍﺑﻨﻪ ﻓﻲ مدارس العظماء، ﻭﺃﺻﺒﺢ ﺍﻟﺼﺒﻲ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮ ﺭﺟﻼ‌ً متعلماً ﺑﻞ ﻋﺎﻟﻤاً ﻛﺒﻴﺮﺍً، نعم فذاك ﺍﻟﺼﺒﻲ هو ﻧﻔﺴﻪ السير ألكسندر فلمنغ (1881 - 1955) مكتشف ﺍﻟﺒﻨﺴﻠﻴﻦ ﻓﻲ ﻋﺎﻡ 1929، وهو أول مضاد حيوي فعال عرفته البشرية على الإطلاق، ﻛﻤﺎ ﺣﺼﻞ ﻋﻠﻰ ﺟﺎﺋﺰﺓ ﻧﻮﺑﻞ ﻓﻲ ﻋﺎﻡ 1945.

 لم تنتهِ هذه القصة الجميلة هكذا، ﺑﻞ ﺣﻴﻨﻤﺎ ﻣﺮﺽ ﺍﺑﻦ اللورد ﺍﻟﺜﺮﻱ ﺑﺎﻟﺘﻬﺎﺏ رئوي، ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺒﻨﺴﻠﻴﻦ هو الذي أنقذ ﺣﻴﺎﺗﻪ!!

 ﺍﻟﻤﻔﺎﺟﺄﺓ ﺍﻷ‌ﻛﺒﺮ، أن ﺍﻟﺼﺒﻲ ﺍﺑﻦ اللورد ﺍﻟﺜﺮﻱ ﺍﺳﻤﻪ ﻭﻧﺴﺘﻮﻥ ﺗﺸﺮﺷﻞ، أعظم رئيس وزراء بريطاني على مر العصور، ﺍﻟﺮﺟﻞ الذي ﻗﺎﺩ ﺍﻟﺤﺮﺏ ضد ﻫﺘﻠﺮ ﺃﻳﺎﻡ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ (1939 - 1945) ويعود ﻟﻪ ﺍﻟﻔﻀﻞ ﻓﻲ ﺍﻧﺘﺼﺎﺭ قوات ﺍﻟﺤﻠﻔاء (إﻧﺠﻠﺘﺮﺍ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ وأميركا ﻭﺍﻻ‌ﺗﺤﺎﺩ السوفياتي) ﻋﻠﻰ قوات المحور (ﺃﻟﻤﺎﻧﻴﺎ ﻭﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ).

 تخيلوا لو لم ينقذ الفلاح ذلك الصبي، لتغير وجه التاريخ (!!)

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة