جرعة دواء بمليوني دولار

جرعة دواء بمليوني دولار

الاثنين - 13 شوال 1440 هـ - 17 يونيو 2019 مـ رقم العدد [14811]
أعلنت شركة «نوفارتس»، المنتجة لدواء «زولجينزما»، سعر جرعة العلاج الواحدة والوحيدة عند مستوى قياسي جديد بلغ 2.125 مليون دولار، في أحدث حلقة من مسلسل زيادة أسعار الأدوية المبتكرة عالمياً. الشركة حصلت على الموافقات التنظيمية لطرح المنتج في السوق الأميركية لعلاج اضطراب عصبي نادر يسمى «ضمور العضلات الشوكي»، يسبب إعاقة جسدية شديدة للرضع، مع احتمالية عالية للوفاة قبل إكمال المصابين به عامهم الثاني.
جددت هذه النطاقات السعرية، غير المسبوقة، جدلاً مستمراً حول حرية الشركات المنتجة في تحديد النطاق السعري للأدوية المبتكرة المبيعة في السوق الأميركية. تتصف السوق الأميركية بالذات عن غيرها من أسواق الدول المتقدمة بعدم وجود كيان حكومي له صلاحية التفاوض مع الشركات المنتجة لضمان تسعير عادل للمنتجات الدوائية المبتكرة، بالإضافة إلى أن تلك المنتجات تتمتع بحماية قانونية احتكارية تمنع نسخها وإعادة إنتاجها من قبل الشركات المنافسة لمدد طويلة قد تصل لـ20 عاماً. وتم تبني تلك السياسات في الأساس لتحفيز الشركات على الاستثمار في ابتكار أدوية جديدة، ولكن لم تفتأ تلك الشركات تتلقى الاتهامات بالجشع والممارسات الاحتكارية، وبلغ الأمر حد استجواب عدد من كبار تنفيذيي الشركات المنتجة الكبرى في جلسة استماع في الكونغرس الأميركي.
دافع التنفيذيون حينها عن استراتيجياتهم التسعيرية، التي وصفوها بالمبررة اقتصادياً والضرورية لازدهار الصناعة في الولايات المتحدة، المصدر العالمي الأول للابتكارات الدوائية. معهد المراجعة السريرية والاقتصادية الأميركي، وهو مؤسسة بحثية مستقلة، قارن بين المنافع العلاجية وسعر الإطلاق لدواء «زولجينزما»، وخلص إلى أن تكلفة الدواء مبررة اقتصادياً، وستوفر قيمة مضافة للنظام الصحي الأميركي على المدى الطويل.
هذا النمط من ارتفاع الأسعار الحاد رصد في عدة دراسات، وشمل تأثيره أغلبية الأدوية المبيعة في السوق الأميركية، حيث خلصت إحدى الدراسات إلى أن النمو في أسعار الأدوية البيولوجية ارتفع بشكل حاد وصل إلى 20 في المائة على أساس سنوي، تليها الأدوية الكيميائية المبتكرة، ثم الأدوية الجنسية، وهي الإصدارات المقلدة للأدوية، التي يمكن للمنافسين إنتاجها عند انتهاء صلاحية الحماية الاحتكارية المؤقتة التي يملكها المبتكر الأصلي. تلك الزيادات كانت مدفوعة بطرح الأدوية المبتكرة في الأسواق، والتي تستخدم فيها الشركات المنتجة تقنيات أكثر تعقيداً وأعلى تكلفة، وتستهدف الأمراض الأكثر خطورة وإلحاحاً. ولكن لوحظ أن الارتفاع في الأسعار شمل أيضاً أدوية مطروحة منذ سنوات أسعارها تنمو عاماً تلو آخر بمعدلات مرتفعة تفوق مستويات التضخم الوطنية.
تجادل شركات الأدوية الكبرى، من خلال أذرعها الإعلامية المختلفة، بأن منتجاتها المبتكرة «المرتفعة السعر» ساهمت في علاج الملايين من أمراض فتاكة، وحسنت نوعية حياة مئات الملايين حول العالم. وأنها في النهاية مؤسسات ربحية تسعى لتعظيم أرباح مساهميها، ولإعادة الاستثمار في ابتكارات دوائية جديدة تخدم المرضى. وتروّج الشركات دائماً لمفهوم الاستثمار العالي التكلفة والمحفوف بالمخاطر، الذي يميز الصناعة الدوائية، كمبرر مقبول للأسعار المرتفعة، حيث تتكبد الشركات تكاليف هائلة لأنشطة البحث والتطوير، حيث تختبر الخواص العلاجية للأدوية المرشحة.
وخلال هذه العملية، تفشل المئات وأحياناً الآلاف من الأدوية، ويتم التخلي عنها بعد استثمار هائل من وقت العلماء، وجهدهم، ناهيك عن رؤوس الأموال. وفي الحالات النادرة التي يتم فيها اختبار دواء واعد بنجاح، يجب أن يخضع الدواء لمعايير الإنتاج والتصنيع الصارمة التي تفرضها المؤسسات التنظيمية للحصول على الموافقة بطرح الدواء. وأخيراً هناك سلاسل الإمداد الطويلة والمعقدة، التي يمر بها المنتج قبل الوصول إلى المستهلك النهائي، والتي يتخللها العديد من الوسطاء الذين يستقطعون نصيبهم من كعكة السعر النهائي، ويساهمون بذلك في زيادة الأسعار.
غير أن تلك الحجج لا تبرر مستويات الأسعار القياسية التي بلغتها الأدوية الجديدة، حيث تشير العديد من الدراسات المعتبرة إلى أن قطاع التصنيع الدوائي يوفر عائدات هوامش ربحية مرتفعة للغاية، ولا يتم إعادة استثمار العائد في أنشطة البحث والتطوير الجديدة، حيث لا تتجاوز في كثير من الأحيان حاجز الـ20 في المائة من إيرادات الشركات السنوية، بالإضافة إلى أن اللاعبين الكبار في هذا القطاع بالذات يقومون بالعديد من الممارسات الاحتكارية غير الأخلاقية للتحكم بالمنتجات المنافسة، إما عن طريق الاستحواذ على الشركات المبتكرة الأصغر حجماً، أو اتباع بعض التكتيكات القانونية لتأخير دخول المنتجات المنافسة إلى الأسواق، أو عن طريق شراء ذمم مقدمي الرعاية الصحية لوصف الأدوية الأغلى ثمناً.
ارتفاع أسعار الأدوية عالمياً مشكلة معقدة ودقيقة، وتشكل تحدياً رئيسياً للأنظمة الصحية الوطنية والمرضى، على حد سواء، في جميع أنحاء العالم، حيث إن الكثير منهم لا يتاح لهم الوصول إلى العلاجات المناسبة بسبب التكاليف المتزايدة سنوياً للأدوية المبتكرة بالذات في دول العالم النامي. وما يزيد الأمر تعقيداً أن عدم توفير هذه العلاجات للمرضى المحتاجين يزيد التكلفة الاجتماعية والاقتصادية على المدى الطويل.

* باحث سعودي متخصص
في التقنية الدوائية

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة