جميل مطر
كاتب ومفكر مصري مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي.
TT

ترمب الذي لا يهدأ

أشك أن هذا الرجل يعرف ما يريد في النهاية من دولة حطّ بها. بدأ يكسر القائم فيها ثم فتّت الكسور قِطعاً صغيرة لا تتكامل أو تتجانس ثم فتتّها قبل أن يترك المكان إلى غيره. أكاد أكون واثقاً أن الرئيس دونالد ترمب، وله في البيت الأبيض أكثر من عام ونصف، لا يعرف على وجه اليقين شكل ومحتوى الاتفاق الذي يزمع التوصل إليه مع إيران بعد أن يصفّي الاتفاق النووي الذي توصل لعقده ممثل الرئيس أوباما وممثلو دول أخرى. أما بالنسبة إلى سوريا فقد أقام الشرق الأوسط وأقعده، تدخل عسكرياً وأممياً وسياسياً ثم خرج بوعد ألا تعود أميركا إلى سوريا ولا حتى بالاهتمام العادي. فجأة عاد وتدخل وأربك حسابات كثيرة ومنها حسابات أمنية أميركية ولم نعرف حتى الآن الشكل الذي يتخيل ترمب أن تكون عليه سوريا بعد التدخل والدور الذي أراد لها أن تلعبه. قريباً سوف نرى ونلمس ما سوف ينتج لفلسطين وبقية العالم العربي.
الأمثلة الأخرى عديدة والعراق أبرزها. استنكر ترمب ما فعله الأسبقون في العراق ولكنه اختلف عنهم حين أعلن بكل الصراحة الممكنة أنه يعود إلى العراق بقوة كبيرة ليسترد ما أنفقته بلاده على حروبها التي شنتها وتشنها ضد شعب العراق والدولة العراقية. ليبيا مثال آخر. هناك أقامت الفوضى الدولية بقيادة الولايات المتحدة وحلف الأطلسي نظاماً ترسخ به الآن حال التحطيم والتفتيت وتعرقل جهود المبعوث الدولي وتعقد مشكلتي الهجرة من أفريقيا إلى أوروبا ونزوح الإرهاب إلى دول الساحل الأفريقي.
سمعت خبيراً أوروبياً في العلاقات الدولية يصف دونالد ترمب بالكنز. لم يعرف علماء السياسة، حسب رأيه، مرحلة غنية بالتغيرات والإثارة كالمرحلة التي نعيشها منذ التقينا هذه الشخصية الفريدة، حتى إن بعضهم يخشى أن يختفي ترمب كنتيجة الانتخابات الرئاسية المقبلة أو قبلها، في حال نجح الديمقراطيون في استصدار قرار إدانة للرئيس. يخشى هذا البعض أن يرحل ترمب فيعود إلينا العالم الأكاديمي المملّ الذي كنا نعيش فيه. البعض الآخر لا يتوقع نهاية الإثارة والمتعة باختفاء ترمب. أعتقد أن هذا البعض الأخير يمثل الأكثرية. أنا شخصياً واحد من هؤلاء الذين يثقون بأن عصر ما بعد ترمب لن يعني بأي حال عودة معظم الأمور إلى ما كانت عليه قبل نزوله إلى حلبة الانتخابات. في رأيي أن ترمب أحدث تأثيراً في العقل السياسي الغربي، وربما العالمي، لا يمكن نزعه. والحديث يطول حول هذا الاعتقاد المتزايد انتشاراً.
لن يأتينا بعد ترمب رئيس لأميركا أو غيرها يستطيع في زيارة واحدة وقصيرة لبريطانيا، مثلاً، أن يُنتج مثل هذا الحجم من الأنباء، حقيقية أو زائفة لا يهمّ. أو يتسبب في ارتباكات عظيمة في كل قصور الحكم التي مر بها أو مسّها من أعماله وتغريداته وردودها ضرر أو فائدة. سمعناه يتبادل السهام المسمومة مع عمدة لندن. رأيناه يحشد الدعم لمن اختاره، وهو رئيس دولة أجنبية، رئيساً لوزراء المملكة المتحدة محل السيدة تيريزا ماي التي لا يكنّ لها الاحترام الواجب. نقلوا عن لسانه الاحتمال أن تعلن اسكوتلندا استقلالها إذا عادت لندن عن قرار «بريكست»، وما نقلوه كان متحيزاً لخروج بريطانيا من كتلة يكرهها ومشروع يمقته. ترمب يكره الاتحاد الأوروبي ويمقت الوحدة الأوروبية بل ويعمل لتخريبهما ولا يخفي أو يستحي.
أقام، على هامش حلف الأطلسي، حلفاً للبلطيق صغيراً وفعّالاً من دول متجانسة وطيّعة لأنها تنفق من موازنتها النسبة التي اتفق عليها. ترمب يحبّذ هذا النوع من الحلفاء. نوع يدفع ما يطلب منه ولا يشترط وفي الغالب يتعرض لتهديد خارجي مباشر من دولة قوية في الجوار. أظن أن هذا النوع الناجح من وجهة نظر ترمب دفعه إلى حث الدول المناسبة على إقامة تحالفات مؤقتة أو لغرض محدد، المهم أن يكون الأعضاء أغنياء وواقعين تحت التهديد وطيعين لا يجادلون. لا يخفي ترمب تبرمه من نوعين آخرين من الحلفاء. نوع منهما يرفض التنازل عن كرامته القومية ويضعها في مكانة الكرامة الأميركية ويعتز بإرادته الحرة واستقلاله الذاتي ويتمسك بحقه في أن يناقش وينتقد ويشكل تيارات داخل الحلف الكبير. النوع الآخر من الحلفاء يضم أولئك الذين عجزوا عن توفير أنصبتهم في موازنات الحلف أو حاولوا الاحتفاظ بوضعهم طرفاً غير محارب «في حلف وظيفته الحرب». فرنسا نموذج للحلفاء من ذوي الكرامة القصوى، وألمانيا واليابان نموذج لحلفاء عاشوا معظم أدوارهم أطرافاً غير محاربة في حلف يحارب. نوعان لا يحبهما ترمب ويسخر منهما.
نحتار حيرة غير هينة كلما حاولنا فهم المنطق الذي يحكم حركة ترمب في السياسة. كثيراً ما أوحى بعض قراراته وسياساته الخارجية بأن الرجل مستعدّ ليضحي بحلفائه إذا استشعر أنهم منافسون خطرون على اقتصاد أميركا، أو يهددون مصالح شريحة من العمال البيض الأميركيين في صناعات الصلب أو النقل. أكاد أثق بأن ترمب لن يهدأ له بال حتى تتوقف أميركا عن الإيمان بحرية التجارة كأحد أهم مبادئ العقيدة الرأسمالية. يعتقد، أو هكذا أتصور، أن الولايات المتحدة نمت وازدهرت وصارت القوة العظمى عندما فرضت على العالم بأسره التزام حرية التجارة حتى إنها أقامت لهذا المبدأ منظمة دولية خاصة به لتحميه وترعاه وتقدم فيها القرابين. أميركا الترمبوية لا تحترم التزامها هذا المبدأ لأن الرئيس ترمب أحس بأن هذا المبدأ يعمل الآن في صالح منافسي أميركا من الدول الصاعدة نحو القمة.
قياساً على هذا لا أظن أننا سوف نرى ترمب أو مَن يأتي بعده متهاوناً أو متسامحاً في قضية احتكار بيع أسلحة الفضاء، أو في قضية الهيمنة على مصادر وإبداعات الذكاء الاصطناعي، أو في قضية تغيير الطبيعة الديموغرافية للأمة الأميركية والهجرة إليها، أو في قضية هيمنة الصين على البحار وعلى وجه الخصوص المحيط الباسيفيكي. أو لكل هذه القضايا مجتمعة.