لا يزال الجدل حول الخصخصة مستمراً منذ نهاية السبعينيات الميلادية من القرن الماضي وحتى الآن، وفي حين تسعى الحكومات إلى خلق شراكات مع مؤسسات تجارية لتشغيل المؤسسات الحكومية، تقابل غالباً هذه الشراكات بتشاؤم لا يمكن إخفاؤه من الشعوب.
ويخطئ من يظن أن الخصخصة في هذه الأيام تسير على اتجاه واحد، فالجدل مستمر في دول كثيرة مثل أستراليا وبريطانيا حول إعادة توطين بعض المؤسسات التي خصصت قبل عقود من الزمن. وهذا الجدل لا يعود بكل الأحوال إلى فشل التخصيص، بل إلى عوامل اجتماعية منها سيطرة الأحزاب اليمينية مؤخراً، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية التي أوهنت الشركات الغربية.
وقد تكرر كثيراً التبرير الحكومي للخصخصة، وهو تقليل الإنفاق العام على بعض الخدمات الممكن تقديمها من القطاع الخاص، وتوفير هذه المبالغ لمشاريع لا يمكن تقديمها إلا من الحكومات، مثل البنية التحتية وقطاعي التعليم والصحة، وهو تبرير منطقي لأن القطاع الخاص قد يستثمر في مشاريع مدرة للربح، ولكن الحكومات وحدها من تستثمر في مشاريع ذات عوائد اجتماعية فقط.
أما تشاؤم الشعوب من الخصخصة فهو مرتبط بجوانب عدة، أولها ثقة الشعوب في أن الخدمات المقدمة من الحكومة لا تعود لها بأي ربحية، فهم - وإن دفعوا للخدمات الحكومية - يدفعون مبلغاً يتناسب مع الخدمة المقدمة إليهم. في المقابل، فإن المؤسسات التجارية قد تستغلهم بأسعار مبالغ فيها.
والواقع أن هذا الأمر وارد، خاصة إذا انعدمت المنافسة بين الشركات. وهذا التأثير السلبي يأتي بسبب الاحتكار لا بسبب الخصخصة، وعليه فإن الحكومات حين تخصص مؤسسة حكومية، فهي عادة ما تقسمها على عدة شركات ليتم التنافس بينها وتقديم هذه الخدمات بأسعار عادلة. ولعل أقرب مثال على ذلك شركات الكهرباء والغاز في بريطانيا. وفي العالم العربي يذكر السعوديون جيداً كيف كان حال قطاع الاتصالات حين كانت تسيطر عليه شركة واحدة، وكيف تغير الحال حين دخلت شركات إضافية إلى السوق، ولا شك أن الخدمات المقدمة من الشركات تحسنت حينها. وفي المثال ذاته، من الصعب القول إن قطاع الاتصالات في السعودية كان في حال أفضل حين كان يدار من وزارة حكومية، وفي ذلك توضيح للأثر الإيجابي للخصخصة.
وفي مؤتمر القطاع المالي المقام مؤخراً في الرياض، دعا السير غاري غريمستون - وهو عراب الخصخصة في بريطانيا إبان حقبة مارغريت ثاتشر - إلى البدء في المؤسسات السهل تخصيصها. وبرر ذلك بأن نجاح خصخصة هذه المشاريع يقلل من تشاؤم الشعب تجاهها بإبراز أمثلة ناجحة عليها. كما أن هذه المشاريع عادة تكون أقل تكلفة من غيرها، لا سيما أن خصخصة مؤسسة حكومية هو مشروع لا يمكن الرضى بفشله بأي حال بسبب تكلفة فشله العالية.
وهذا الفشل وارد بسبب كثرة الأطراف المشاركة في هذه الخصخصة، من الحكومات والشركات والشعب والجهات القانونية المشرعة والمؤسسات الممولة وغيرها. وكل طرف من هذه الأطراف له وجهة نظر ومنفعة قد تتناقض مع منفعة الطرف الآخر. وبسبب ذلك يجب التوضيح أن التخصيص ليس حدثاً يتم في يوم وليلة، بل هو عملية قد تستمر لسنوات، يتم خلالها الاتفاق على جوانب كثيرة. والأمثلة كثيرة على مشاريع تخصيص فشلت بسبب الاستعجال فيها، ولعل أقربها هو محاولة إسبانيا الخروج من الأزمة المالية قبل 10 سنوات بتخصيص المطارات، وبسبب عامل واحد وهو عدم دقة تقييم المطارات، فشل المشروع بأكمله لتعود المطارات مرة أخرى لسيطرة الحكومة.
إن الخصخصة تبدو خياراً مثالياً للحكومات في إزاحة عبء بعض الخدمات، لا سيما تلكم التي تجذب القطاع الخاص والتي ترفع من كفاءة الخدمات المقدمة. ولكن شروط الخصخصة قاسية لا ترحم، وجزئيات صغيرة فيها قد تفسد العملية بأكملها. وقد حاولت دول كثيرة تخصيص مؤسساتها، نجحت بعضها وفشل البعض الآخر. وقد تبدو وصفة فشل بعضهم واضحة جلية، فما حدث في الأرجنتين من ضعف الرقابة الحكومية على التخصيص، كان سبباً في انهيار مؤسسات بأكملها وانعدام ثقة الشعب في الشراكات بين الحكومة والقطاع الخاص. والعامل المشترك بين فشل إسبانيا والأرجنتين هو الاستعجال بعملية الخصخصة لكونه -من وجهة نظر الحكومتين - مخرج لأزمات اقتصادية. ولكن المؤكد أن نجاح التخصيص لا يجذب الكثير من الانتباه، بينما يجذب فشله الجهات الإعلامية واللوم على المسؤولين. ولا شك أن تخصيص بعض المؤسسات الحكومية - حين يكون في أفضل حالاته - يعود بالمنفعة على الدول بشكل عام، وعلى الشعوب بشكل خاص.
9:30 دقيقه
TT
عوامل نجاح التخصيص
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
