فضيحة للمهنة أم أزمة مجتمع؟

فضيحة للمهنة أم أزمة مجتمع؟

الأحد - 22 شعبان 1440 هـ - 28 أبريل 2019 مـ رقم العدد [14761]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.
أسوأ القرارات ما يتخذ بتسرع استجابة لموجة عاطفية أثيرت، أو افتعلت، في الرأي العام.
حكمة قديمة، ومع ذلك يكرر الساسة الخطأ بسبب التلهف على الصوت الانتخابي، خصوصاً مع تراجع احتكار المؤسسات التقليدية للأخبار بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وهي سلاح ذو حدين.
حادثة فصل الحكومة هنا في بريطانيا أحد أهم المفكرين والفلاسفة المعاصرين من منصبه مستشاراً للحكومة في السياسات الاجتماعية، جعلتني أتساءل: ما هي القضية الحرجة التي تواجه العالم اليوم؟
رغم انتشار الإرهاب، خصوصاً بعد أحداث سريلانكا ونيوزيلندا، وتحذير نشطاء «تمرد الفناء» من فناء العالم بسبب التغير المناخي في غضون أحد عشر عاماً، فإن الخطر الأكبر في تقديري هو خنق حرية التعبير والقضاء على الرأي غير المنسجم مع ما تفرضه الموجة السائدة في الرأي العام، على أنه «الأرثوذوكسية» المقبولة المستساغة لدى الصفوة من الطبقة الميسورة المسيطرة على مؤسسة صناعة الرأي العام. لأنه بلا حرية التفكير والتعبير سيتعذر على الإنسانية مواجهة الأخطار التقليدية.
فصل مستشار قد يبدو حادثاً بسيطاً، كذلك إحداث ثقب صغير في قاع سفينة مبحرة.
فالظروف تعيد للأذهان محاكم تفتيش العصور الوسطى، التي كفّرت من حاول إضاءة مصابيح التنوير.
وضع اسم المستشار المفصول السير روجر سكروتون (Roger Scruton) على محركات البحث، يفسر منح فيلسوف السياسة والأخلاقيات الاجتماعية الإنجليزي لقب فارس (سير) من الملكة اعترافاً من الدولة بمساهمته بمؤلفات ومحاضرات في تخريج مئات من المفكرين وآلاف الطلاب.
حادثة اضطهاد أحد أهم مفكري وفلاسفة العالم الأنغلوساكسوني (وربما دنيا العلوم السياسية والأخلاق الاجتماعية) في وسائل صناعة الرأي العام، التي يسيطر عليها المزاج الليبرالي المتأدلج يساراً، لعدة أسابيع، باتهامات من قص ولصق وتركيب عبارات خارج السياق، هي جبل الثلج العائم، لاضطهاد وترويع من يفكر بطريقة مختلفة عن «الأرثوذوكسية» السائدة.
قبل ثلاثة أعوام كان الدكتور تيم هنت، الحاصل على «جائزة نوبل» في العلوم لمساهمته باكتشاف جزئيات البروتين المسؤول عن انقسام الخلايا، قد تعرض للفصل من «جامعة لندن»، بسبب تغريدة شكوى من نسوية متطرفة اتهمته فيها بـ«الميسوجينية» (معاداة المرأة) أثناء إلقائه محاضرة علمية؛ قال فيها دعابة عن قضاء ساعات طويلة في المعمل كسبب لعلاقات رومانسية تنتهي بخاتمة محزنة فور انتهاء البحث بالتوصل لاكتشاف علمي.
ومنذ سقراط وأفلاطون، لا يحتاج الأمر عبقرية لاكتشاف أن اختلاف الآراء وحرية الفرد في الإبداع والفكر هي أساس التقدم.
أما زرع الخوف في قلوب الأفراد وضمائرهم، فيؤدي إلى برمجة العقل لخلايا المخ، فيصعب تلاقح الأفكار، فلا تلد الجديد ويصاب الخيال نفسه بالعقم.
وبلا تواصل طاقة الخيال مع الجهاز العصبي الخازن للمشاعر، وبرامج تشغيل المخ المعروفة بالطاقة الذهنية، لا يولد فلاسفة أو شعراء أو فنانون، خصوصاً مهندسين شيدوا الإنشاءات وابتدعوا المخترعات.
الأخطر الدروس الباهظة الثمن التي دفعتها البشرية للشمولية، ولعل أبناء جيلي يذكرون الحرب العالمية الثانية التي تفجرت بالفكر الواحد للهمجية النازية.
التاريخ يذكرنا بأن الفكرة السائدة كموضة وثقافة محترمة في المجتمع اليوم قد تبدو متخلفة عند تقدم البشرية أخلاقياً وذهنياً وفلسفياً.
باختصار الاتجاه نحو فرض «أرثوذوكسية» أخلاقية تعتبر هي الصواب وغيرها الخطأ، هي بداية منزلق خطير يبدأ بخنق حرية التعبير والرأي تحت مبررات شتى كحماية الأخلاق والعادات الاجتماعية (وهي تعريفات مطاطة ومتغيرة بمرور الزمن) كمدخل للشمولية.
حرية التعبير التي تسمح بمناقشة ونقد ما يعتبره المجتمع بديهية لا تقبل التغيير أو تقديم أفكار لا يستسيغها المجتمع (طالما أنها لم تخرق القانون الصادر عن البرلمانات والمجالس التشريعية) هي وقود محرك التطور الذي يدفع بالجنس البشري للأمام.
هذه الحرية تتعرض اليوم في أم الديمقراطيات وأعرقها للخطر؛ حركة في الغرب عموماً تشبه «المكارثية» في أميركا في الخمسينات، أو محاكم التفتيش الأوروبية في القرون الوسطى ضد من يفكر بطريقة مختلفة.
مجرد تغريدة اتهام تعرض المفكرين للحرمان من منابر التعبير المسيطرة كـ«بي بي سي»، أو إقصائهم من مناصبهم، وما بين الاثنين توجيه تهم تغلق أي مجال لتبادل الأفكار.
تهم جاهزة بيافطات سلبية مثل «ناكري التغير المناخي»، و«الميسوجينية»، والعنصرية، (وهي الضباب الذي يخفي الضغط على زعامة حزب العمال لدفعها لتعطيل «البريكست»)، أو «الإسلاموفوبيا»، التي لم تعد تشير إلى معناها الأصلي، بل أصبحت سلاحاً تستخدمه جماعة «الإخوان المسلمين» وحلفاؤها من اليسار الأوروبي لمنع مناقشة وتحليل نشاط المتطرفين الإسلامويين.
أيضا تهمة «الترمبوية»، أي التعاطف مع الرئيس الأميركي الذي أصبح الشخصية المكروهة الأولى للحركة الليبرالية اليسارية والعالمية.
سكروتون من مجموعة مؤرخين وفلاسفة محافظين، كالسير ديفيد ستاركي، ونيل فيرغسون، وهم اليوم المدافعون عن حرية التعبير والرأي، وحرية الفرد، ويحذرون من شمولية فرض طريقة التفكير الواحد على الأذهان، التي تفرضها الحركة الليبرالية اليسارية، التي كانت يوماً تقدمية.
مجلة «نيو - ستاتسمان»، أحد أهم منابر الفكر اليساري الاشتراكي منذ عام 1913، أجرى محررها السياسي مقابلة تليفونية مع سكروتون.
ثم انتقى منها عبارات خارج السياق كنموذج «لا تقربوا الصلاة...» عن خطورة الإعداد السياسي للمواطن في الأنظمة الشمولية.
قال المفكر إن معاهد الإعداد السياسي الجماعي تنتج نسخة متعددة من المواطن نفسه. وبينما كان الفيلسوف يحذر من خطورة القضاء على حرية الأفراد في التفكير، وضعها الصحافي في سياق حديثه عن الصين وحقوق الإنسان، واتهم الفيلسوف بأنه عنصري يقول إن الصينيين كلهم نسخة واحدة، واتهمه بـ«الإسلاموفوبيا»، لأنه في حديثه عن صعود «اليمين الزينوفوبي» في المجر أشار إلى استخدام اليمين للخوف التاريخي المتراكم في الضمير الاجتماعي منذ حروب الإمبراطورية النمساوية - المجرية مع الإمبراطورية العثمانية.
الكارثة أن بعض نواب الحكومة في البرلمان لم يحققوا في الأمر، أو حتى يطلبوا الاطلاع على تسجيل المقابلة التليفونية، بل قاموا بفصله كمستشار.
الصحافي وضع صورته على «إنستغرام» يشرب نخب «الشعور بالإنجاز عندما تتمكن من التخلص من العنصري اليميني روجر سكروتون مستشاراً لحكومة المحافظين».
ما فعله الصحافي اليساري من مجلة كانت دستور ومنهج الفكر الاشتراكي لأكثر من قرن، هو فضيحة مخجلة لمهنة يدفع أصحابها حياتهم ثمناً لإيصال الحقيقة للقراء، لكنها أيضاً فضيحة للعورات الفكرية والأخلاقية الفلسفية لمجتمع ينظر إليه العالم كقدوة في الديمقراطية.
المشروعات الحكومية حُرمت من خبرة عقل مستنير... المفكرون اليوم يفكرون مرتين وثلاثاً قبل النطق بما توصلوا إليه، والصحافي المبدع في الانتقاء خارج السياق لا يزال في منصبه... وربما ينتظر ترقية!

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة