الحلو ما يكمل

الحلو ما يكمل

الخميس - 19 شعبان 1440 هـ - 25 أبريل 2019 مـ رقم العدد [14758]
لا شك أن أحمد شوقي حصل على إمارة الشعر في عصره عن جدارة واستحقاق. لكن – آه من لكن - ما أبعد الفرق بين شوقي الشاعر وشوقي الناثر، والفرق بينهما من وجهة نظري، هو الفرق بين السماء والأرض، وهذا هو ما جعل المثل القائل «الحلو ما يكمل أحياناً» ينطبق عليه.
ولكي لا يتهمني أحد بالمبالغة أو التجنّي، سوف أورد لكم بعض إبداعاته من أبيات الشعر المحلّقة، وشيئاً من كتاباته النثرية المفتعلة المتكلفة الممتلئة بالسجع لتحكموا أنتم، وإليكم أولاً أبيات الشعر:
ريمٌ عَلى القاعِ بَينَ البانِ وَالعَلَمِ
أَحَلَّ سَفكَ دَمي في الأَشهُرِ الحُرُمِ
رَمى القَضاءُ بِعَينَي جُؤذَرٍ أَسَدًا
يا ساكِنَ القاعِ أَدرِك ساكِنَ الأَجَمِ
لَمّا رَنا حَدَّثَتني النَفسُ قائِلَةً
يا وَيحَ جَنبِكَ بِالسَهمِ المُصيبِ رُمي
جَحَدتُها وَكَتَمتُ السَهمَ في كَبِدي
جُرحُ الأَحِبَّةِ عِندي غَيرُ ذي أَلَمِ
رُزِقتَ أَسمَحَ ما في الناسِ مِن خُلُقٍ
إِذا رُزِقتَ اِلتِماسَ العُذرِ في الشِيَمِ
يا لائِمي في هَواهُ وَالهَوى قَدَرٌ
لَو شَفَّكَ الوَجدُ لَم تَعذِل وَلَم تَلُمِ
لَقَد أَنَلتُكَ أُذنًا غَيرَ واعِيَةٍ
وَرُبَّ مُنتَصِتٍ وَالقَلبُ في صَمَمِ
يا ناعِسَ الطَرفِ لا ذُقتَ الهَوى أَبَدًا
أَسهَرتَ مُضناكَ في حِفظِ الهَوى فَنَمِ
أَفديكَ إِلفًا وَلا آلو الخَيالَ فِدًى
أَغراكَ باِلبُخلِ مَن أَغراهُ بِالكَرَمِ
إلى آخر الأبيات، لكن اقرأوا ما كتبه نثراً، تحت عنوان: «شهادة الدراسة وشهادة الحياة»: «ما بال الناشئ وصل اجتهاده، حتى حصل على الشهادة، فما كحل بأحرفها عينيه، وظفرت بزخرفها كلتا يديه، هجر العلم وربوعه، وبعث إلى معاهده بأقطوعة، طوى الدفاتر، وترك المحابر، وذهب يخايل ويفاخر، ويدعي علم الأول والآخر. فمن ينبيه، بارك الله فيه لأبيه، وجزى سعي معلمه ومربيه: أن الشهادة طرف السبب، وفاتحة الطلب، والجواز إلى أقطار العلم والأدب، وأن العلم لا يملك بالصكوك والرقاع، وأن المعرفة عند الثقات غير وثائق الإقطاع، ومن يقول له أرشده الله: إن شهادة المدرسة غير شهادة الحياة.فيا ناشئ القوم بلغت الشباب، ودفعت على الحياة الباب، فهل تأهبت لمعمعة، وجهزت النفس للموقعة، ووطّنتها على الضيق بعد السعة، وعلى شظف العيش بعد الدّعة؟ دعت الحياة: نزال، فهلم اقتحم المجال، وتورد القتال، أعانك الله على الحياة، إنها حرب فجاءات وغدر وبيات، وخداع من الناس ومن الحادثات، فطوبى لمن شهدها كامل الأدوات، موفور المعدات، سلاحه صلاحه، وترسه درسه، ويلبه أدبه، وصمصامته استقامته، وكنانته أمانته، وحربته دربته».
ولو أنني كنت أستاذاً لأعطيته بالشعر: علامة تسعة على عشرة، وبالنثر: لا يستحق أكثر من واحد على عشرة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة