في تهافت «القرار المشترك 7»

في تهافت «القرار المشترك 7»

السبت - 15 شعبان 1440 هـ - 20 أبريل 2019 مـ رقم العدد [14753]
إميل أمين
- كاتب مصري
لا تزال الروح الأميركية مصابة بحالة تاريخية مزمنة، «تناقض الأضداد»، فمن جهة يعلن جلهم الحرب الشعواء على قوى التطرف والإرهاب حول العالم، وإيران بكل تأكيد وتحديد في المقدمة منها، ومن جهة أخرى يوفرون لهم حواضن لوجيستية لنشر نفوذهم، بل يسعون إلى قطع الطريق على عمليات مجابهة شرِّهم في المنطقة.
أميركا اليوم منقسمة في داخلها بصور غير مسبوقة، والدليل على ذلك القرار الأخير الذي اتفق عليه الكونغرس بمجلسيه، القاضي بوقف الدعم الأميركي للتحالف المكلف وقف تمدد إيران داخل اليمن، عبر أطرافه وأطيافه الحوثية.
التصويت على القرار الأخير يبين عمق الشرخ في النسيج المجتمعي الأميركي، فقد تم تمرير المشروع في مجلس النواب بتصويت 247 لصالحه مقابل رفض 175، وفي مجلس الشيوخ كان التصويت لصالحه بـ54 مقابل معارضة 46 سيناتوراً.
من حسن الطالع أن الرئيس ترمب يعي جيداً أبعاد المشهد الإيراني، في منطقة الخليج العربي، كما يبدو كذلك أن المؤسسة العسكرية الأميركية ممثلة في وزارة الدفاع (البنتاغون)، تؤيد توجهات ساكن البيت الأبيض، الذي استخدم حقه الرئاسي في نقض هذا القرار وإعادته ثانية إلى الكونغرس.
ما الذي يعنيه القرار الأخير بالنسبة للصراع الدائر بالقرب من البحر الأحمر، الشريان الرئيسي بين الشرق والغرب؟
باختصار غير مخلّ، نحن إزاء حزمة من الإخفاقات، التي يمكن أن تصيب المشهد العام في الصراع مع الملالي بنوع خاص، عطفاً على أمر آخر لا يقل أهمية، ويتصل بمواجهة الإرهاب القاعدي والداعشي في اليمن وعموم الخليج.
أول ما يصيب توجه الكونغرس الأخير، فإنه يصيب مساعي التعاون مع الحلفاء لمكافحة الإرهاب، ومعروف أن مقاتلي «القاعدة» وفلول «داعش» ينشطون بقوة وكثافة في الداخل اليمني، مستغلين في ذلك الطبيعة الجغرافية الصعبة التي يمكن أن توفر ملاذات لهم في الكهوف والجبال، ومع توقف عمليات التحالف وبعض العمليات العسكرية الأميركية النوعية هناك، سيزداد انتشار وتمكين تلك المجموعات الإرهابية، والمخاوف الآن من أن يكون العالم والمنطقة الشرق أوسطية تحديداً على موعد مع إفراز جديد من إفرازات العنف المؤدلج، لا سيما بعد انهيار تنظيم «داعش» لوجيستياً، لكن الأفكار الشريرة قد انطلقت، ولا يمكن لأحد أن يوقفها، فهل هذا ما يتطلع إليه أعضاء الكونغرس؟!
يحاجج هؤلاء وأولئك بأن الوضع الإنساني في اليمن مأساوي وغير إنساني، ونحن نتفق معهم في هذا التوصيف شكلاً وموضوعاً، لكن السؤال الرئيسي والجوهري: «مَن الذي تسبب بهذه الكارثة بداية، ومن الذي يصر حتى الساعة بعناد شديد على الرفض والتنكر لجميع الاتفاقيات التي أراد المجتمع الدولي من خلالها إنهاء الحرب هناك»؟
ذات مرة وخلال اشتعال أوار الحرب العالمية الثانية، تحدث رئيس الوزراء البريطاني العتيد ونستون تشرشل بالقول: «أنت لا يمكنك أن تفاوض إلى مدى أبعد من ذاك الذي تصل إليه نيران مدافعك»، ما يعني أن وقف العمليات العسكرية لقوات التحالف الآن ينزع إحدى أوراق الضغط والإذعان السياسيين الموجهة للحوثي، ما يعني أن المحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة سوف تذهب ريحها سدى، ولن يكون من ورائها جدوى تُذكر.
حسناً وصف الرئيس ترمب «القرار المشترك 7»، بأنه طريقة «بخسة» وغير مكلفة لإيران، التي تأخذ من الخرق اليمني مدخلاً استراتيجياً لتقويض النفوذ الأميركي، عطفاً على إلحاق الأذى بـ«الحليف السعودي»، بحسب وصفه، وليس سراً أن مخططات إيران تجاه باب المندب، حاضرة وظاهرة للعيان، ولا يمكن بحال من الأحوال مداراتها، أو مواراتها.
يدهش المرء المراقب للشأن الأميركي من تهافت «القرار المشترك 7» لا سيما أنه يتغاضى عن الأضرار التي يمكن أن تطال أزيد من 80 ألف أميركي في منطقة الخليج العربي، وقد باتت كثير من مواقعه ومواضعه عرضة لصواريخ الإيرانيين الموجودة في أيدي الحوثيين، هؤلاء الذين لا ينفكّون يهددون مواطني أميركا الرائحين والغادين عبر المطارات والموانئ، وفي الشوارع والطرقات داخل مدن الخليج العربي.
وقف عمليات التحالف في هذا التوقيت الملتهب، حيث العديد من الملفات الساخنة تغلي في المنطقة مخاطرة غير محسوبة، يمكن أن تؤدي، وبحسب تقديرات «البنتاغون»، إلى نشوب نزاع إقليمي أوسع وأخطر، نزاع مرشح لأن يكون سبباً كارثياً في إشعال حرب عالمية من جراء المحاصصة الأممية في المنطقة المرشحة لذلك بقوة وكثافة، ما يعني أن السلام الدولي بذاته سيضحى تحت التهديد الأشد هولاً.
الذين يتباكون على الوضع الإنساني في اليمن من جراء عمليات «التحالف الدولي»، عليهم إمعان النظر في الآليات التي يتعاطى بها الحوثي مع اليمنيين المغايرين في التوجهات السياسية، وكيف أنهم المسبب الأول للمجاعة في اليمن، بسبب استيلائهم على المساعدات الإنسانية، وحرمان المدن الواقعة خارج سيطرتهم من وصول الدواء والغذاء والكساء إليها.
إذا كان «القرار المشترك 7» هو أحد أعراض الانسحاب الأميركي من المشهد العالمي فهذه قصة أخرى، أما إذا أراد الكونغرس إنقاذ اليمنيين بالفعل فليباشر جهوداً حقيقية من أجل التوصل إلى تسوية يستخدم فيها نفوذه السياسي، وقدرات بلاده اللوجيستية والاستخباراتية، من أجل انتزاع اليمن من أنياب الإيرانيين.
كارثة المشهد الأميركي مرة أخرى تشبه سفينة بربانين؛ أحدهما يقود الدفة شرقاً، والآخر وفقط للمكايدة السياسية يوجه الدفة عينها في الوقت ذاته غرباً.
الخلاصة... التهافت في شأن القرارات المصيرية يغرق السفينة الأميركية.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة