احتضار الليبرالية وانبعاث اليمين المتطرف

احتضار الليبرالية وانبعاث اليمين المتطرف

الجمعة - 30 رجب 1440 هـ - 05 أبريل 2019 مـ رقم العدد [14738]

في روايته الشهيرة قصة مدينتين عبّر الروائي البريطاني تشارلز ديكنز عن التحولات الكبرى في عصره قائلا: «إنه زمن من أفضل الأزمان أو من أسوئها... جميعنا متجهون إلى الجنة أو إلى الجحيم». يعبر هذا الوصف الدقيق عن المرحلة التي نعيشها وبالتحديد أفول الليبرالية وانبعاث اليمين العنصري. وعندما نتحدث عن أفول الليبرالية نقصد مرحلة التسامح والتلاقي، وما يقابلها من الكراهية والانفصال المنبعث من اليمين العنصري. كذلك عندما نتحدث عن اليمين العنصري ندرك تاريخيته القاتلة، ونسترجع ظلاميته، والأكثر تقسيمه للعالم إلى فسطاطين: العرق الأبيض والعرق الأسمر؛ الأول أهَّلهُ الله ليكون صاحب السلطة، والثاني سخره الله لخدمه العرق الأبيض. هذا الخطاب اليميني المتطرف لا يُظهر الآن ظلاميته، بل يتستر باستقدام خطاب عقلاني يقول بأن أبناء البلد هم الذين يستحقون خيراته، وأن اللاجئين هم الذين يغيرون ثقافته، ويمتصون ثرواته، وأن من واجب الوطنيين أن يوقفوا هذه المعادلة الضارة بالبلد وتاريخه وثقافته. لكن هذا الخطاب في الممارسة يفعل عكس ما يقول، وبرعاية أحياناً من السلطة الحاكمة.
في إيطاليا أعدت المخابرات الإيطالية تقريراً صادماً عن ممارسات اليمين المتطرف في هذا البلد، ووضعته في عهدة البرلمان. يعرض الكاتب روبرتو سافينو أمثلة عن تلك الممارسات، ويقول بأن شاباً من سيراليون تعرض للضرب بالكراسي على يد شبان بيض، وكانوا يصرخون بوجهه «عد إلى بلادك». وتعرض صبي لا يتجاوز الثانية عشرة من عمره للسباب والضرب المبرح، وجلد مدير مدرسة إيطالية في منطقة فلينجو رجلاً أسود مع أخته بطريقة تعود لقرون الاستعباد والرق. ويضيف أن النساء ذوات البشرة السمراء يعاملن كعاهرات ليس في الطرقات العامة بل في أماكن العمل! المهم أن السلطة اليمينية الحاكمة تغض الطرف عن تلك الممارسات، بل تثير في خطابها السياسي الكراهية ضد اللاجئين ولا تفعل شيئاً لتخفيف هذا الظلم النازل بهم على يد مؤيدي العنصرية؛ هذه العنصرية لم تعد نازلة بالمهاجرين، بل بالذين استوطنوا البلاد، وأصبحوا من أهلها، طالما أنهم من ذوي البشرة السمراء، أو من الديانة الإسلامية!
في ألمانيا يكتسح حزب «البديل الألماني» اليميني المتشدد صناديق الاقتراع، ويصبح ثاني أكبر حزب، تقوم فلسفته على كراهية الأجانب، وصيانة العرق الأبيض الألماني؛ هذه الكراهية لها تاريخ في ألمانيا ذهب ضحيته ملايين اليهود ظلماً وعدواناً! في دولة المجر يجاهر رئيس وزرائها أوربان بأن أوروبا المسيحية في خطر من جحافل المسلمين الوافدين، وأنه لا بد من إخراجهم لحماية الثقافة والدين المسيحيين! كذلك يحدث في بولندا، واليونان، وفي إسبانيا التي لها تاريخ دموي مع تصفية الآخر المختلف! وهذا اليمين المتطرف نجده يظهر وإن بحياء في بريطانيا أقدم ديمقراطية عريقة في العالم! ففيها نجد العداء للسامية أصبح واضحاً في حزب العمال، ونجد كذلك ظاهرة الخوف من الإسلام في قلب حزب المحافظين؛ ففي الديمقراطية العريقة نسمع مطالبات مسلمين بالحماية القانونية على غرار الحماية المقررة للمعاداة للسامية، ونرى شرطة تحرس المصلين!
هذا الخطاب اليميني المتطرف لم يعد مقصوراً على أوروبا بل تعداها إلى ديمقراطيات خارج أوروبا؛ ففي أستراليا أصبح الجهر بالعداء للأجانب مقبولاً، وينطق به رجال السياسة، ويحصدون منه منافع شتى. في أستراليا يتفشى منذ عام 2001 الفكر العنصري المتأسس على فوقية الأبيض، ودونية الأسود. فالصحافي بول كارب يقول بأن ظاهرة العداء للإسلام أصبحت سياسة في أستراليا عامة، لدرجة أن البرلماني فرايزر ماننغ وجد أن مقتل المصلين المسلمين في مسجد نيوزيلندا سببه «خوف النيوزيلنديين من تكاثر المسلمين»؛ ولدرجة أن رئيسة حزب «الأمة الواحدة» بولين هانسن لم ترَ عيباً أن تطالب بوقف الهجرة لأن أستراليا تواجه خطراً من تدفق المسلمين إليها! كذلك نجد على الجانب الآخر من الكرة الأرضية الرئيس الأميركي في بلد تمثال الحرية المنقوش على قاعدته «يا معذبي الأرض تعالوا إليّ كي أحضنكم»، نجده يصدر قرارات بوقف الهجرة من بلدان إسلامية بحجة أنها مصدر الإرهاب؛ ونجده يطلق خطابات عنصرية تضرب بعمق البنيان الليبرالي الأميركي.
هذه الظواهر تدل كلها على عودة مسار تاريخ الكراهية المخيف؛ بالتحديد بحق الأقليات في أوروبا وما جر ذلك من كوارث على العالم؛ ومن رماد تلك الكوارث انبثق عصر ليبرالي حمل الكثير من الخير، وتحول العالم معه إلى منطق التسامح والالتزام بقوانين حقوق الإنسان. هذا العصر الليبرالي يتعرض للهدم لكنه لم يتداع بعد، ولا بد من حمايته لأن البديل كارثي. تبدأ الحماية أولاً برفض فوقية اليمين المتطرف، ودحض دعايته ضد المسلمين والإسلام؛ فاليمين المتطرف يزرع في غرائز الناس فكرة مشوهة توحي بأن العرق الأبيض أعلى من الأسمر، وأن هذه الفوقية هبة من الله أو من الطبيعة. هذه الفوقية تخالف منطق العلم، وتضرب عقلانية العقل، ولا تستقيم مع طبع سليم؛ وكذلك الخوف من المسلمين والإسلام لا يستقيم مع الواقع. لقد أصبح المسلمون جزءاً من أوروبا وأميركا وأستراليا، وأصبحوا جزءاً من الثقافة التعددية، وانخرطوا - رغم كل ما يشاع - في الحياة العامة، وأصبحوا وزراء في بريطانيا ونواباً في فرنسا، وأعضاء في الكونغرس الأميركي، وأصبحت لديهم ثقافة إسلامية مصبوغة بليبرالية غربية تزداد بها الحياة بهاء والتنوع غنى.
إن خطاب اليمين المتطرف، ومأسسته ينطويان على خطر عظيم، قد يعيد تكرار المحرقة النازية ويعيد تكرار محاكم التفتيش في إسبانيا. ولعل ما قاله الكاتب والسياسي الكندي مايكل اغناتيوف جدير بأن يؤخذ بالحسبان؛ إذ قال إن «الإبادة ليست عملاً من الجنون الإجرامي، بل هي وعد سياسي بتحقيق فكرة الشعب الواحد، والحقيقة الواحدة، واللاخلاف»... وهذا الوعد السياسي «يبقى رغبة دفينة وقائمة في أي مجتمع تعددي عرقي أو ثقافي»!
هذه الرغبة تنتظر لحظة من يوقظها من سبات! لتأخذنا، كما قال الروائي ديكنز، إلى الجحيم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو