15 عاماً تفصلنا عن ذروة الطلب على النفط!

15 عاماً تفصلنا عن ذروة الطلب على النفط!

السبت - 16 رجب 1440 هـ - 23 مارس 2019 مـ رقم العدد [14725]
في نظري، أصبح الحديث عن متى سيصل الطلب على النفط إلى ذروته مستهلكاً. وفي كل يوم نسمع أرقاماً جديدة وتواريخ مختلفة ولم نعد نعلم حقيقة هل ستكون الذروة على النفط بعد 15 أو 20 عاماً أو أكثر من ذلك.
ولأن الحديث عن الموضوع ليس بجديد لم تعد العناوين تثير الفضول، لكن استوقفتني توقعات جديدة، لكن هذه المرة ليست صادرة من إحدى كبريات الشركات الوطنية مثل «أرامكو السعودية» أو الشركات الدولية مثل «إكسون موبيل» أو «رويال دتش شل»، بل توقعات منسوبة لشركة «ماكينزي» إحدى كبريات شركات الاستشارات عالمياً وأكثرها تأثيراً، وأخرى صادرة عن شركة «فيتول»، أكبر شركة لتجارة النفط في العالم.
ولنبدأ في توقعات «ماكينزي» الصادرة في يناير (كانون الثاني) من العام الحالي 2019، التي ترى أن الطلب على النفط سيصل إلى ذروته في 2033، أي بعد ما يقارب من 14 عاماً تقريباً.
وترى «ماكينزي» أن الطلب على النفط ابتداءً من العام المقبل وحتى عام 2030 لن ينمو بالمعدلات التاريخية السابقة نفسها والبالغة فوق واحدٍ في المائة سنوياً، وسيكون النمو خلال كامل العقد المقبل نحو 0.7 في المائة. وسيصطدم الطلب على النفط بحاجز قدره 108 ملايين برميل يومياً في عام 2033، وبعد ذلك يبدأ التراجع.
هذا بصورة عامة، أما إذا دخلنا في التفاصيل فسوف نرى أن «ماكينزي» تتوقع وصول الطلب على النفط في قطاع النقل (أكبر قطاع مستهلك للنفط) إلى ذروته في عام 2025؛ وذلك بسبب نمو الطلب على السيارات الكهربائية. وسيبدأ الطلب على النفط في قطاع النقل في التراجع بعد عام 2025؛ وبحلول عام 2050 سيستهلك قطاع النقل 30 مليون برميل يومياً من النفط، وهو أقل بنحو الثلث من الكمية التي يتم استهلاكها اليوم.
هذه توقعات «ماكينزي»، أما «فيتول» فقد أصدرت بياناً قبل أيام قليلة قالت فيه على لسان رئيسها التنفيذي إيان تايلور: إن الطلب على النفط سيواصل النمو خلال الخمسة عشر عاماً المقبلة، وسيصل إلى الذروة في 2034، ويبدأ في الانخفاض بعد ذلك.
إذن، يبدو أن أمام كل دول منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) 15 عاماً فقط لإيجاد حل لها لتنويع مصادر دخلها وتنويع قاعدتها الاقتصادية وتقليل اعتمادها على النفط.
وحتى لو أن التوقعات هذه كانت مخطئة أو غير دقيقة بما يكفي، فإن التوجه نحو تنويع مصادر الدخل الوطني لدول «أوبك» يجب ألا يتوقف حتى لو امتدت الذروة إلى ما بعد 15 عاماً. لكن هذا لن يتم إلا إذا كانت هناك استراتيجيات واضحة.
من خلال المشاهدة لما يحدث في دول «أوبك» وشركاتها النفطية وقطاعاتها المختلفة، فإن الكل يعاني من ضعف الاستراتيجيات، أو ضعف التطبيق، أو الاثنين معاً.
ما سيجعلني أشعر بالتفاؤل هو ليس التخطيط وحسب، بل أن تكون الخطط واقعية وأن تعالج صلب المشاكل الاقتصادية، وأن تفتح المجال للإبداع البشري، وهذا الأخير هو سفينة النجاة التي نبحث عنها ولا نجدها.
الإبداع في الأعمال التجارية مسألة تقوم على الثقافة وتوفير نظام إيكولوجي كامل يدعمه من مؤسسات تعليمية ومؤسسات بحثية، وتشريعات وقوانين تجارية، وثقافة مؤسساتية في الشركات، وإعلام متخصص ومتطور... إلخ.
لن أتكلم عن الولايات المتحدة؛ فلقد أشبعناها حديثاً واستشهاداً، لكن سأقول فلننظر إلى فرنسا التي قدمت للعالم مجموعة من التطبيقات الذكية والتي تقدر الآن قيمتها السوقية بمبالغ كبيرة كان أخرها تطبيق «دوكتوليب» الذي أصبح من أهم التطبيقات الطبية في فرنسا، والذي يسهل حجز المواعيد عند الأطباء، إضافة إلى خدمات أخرى. هذا التطبيق قيمته الآن 1.1 مليار دولار.
قد تبدو المسألة سهلة عندما نتحدث عن تطبيقات هاتفية، لكنها ليست كذلك. الإبداع يحتاج إلى ثقافة ومؤسسات تدعمه، وهذا أمر لا يعرفه سوى عدد بسيط من كبار رؤساء الشركات والإدارات العليا في دول مثل دول «أوبك». ولنضرب مثلاً بإدارة الموارد وبيئة الأعمال والتدخل في كيفية قيام الموظف لوظيفته وعدم وجود مؤشرات قياس واضحة له، وغيرها من العلل والمشاكل. إن العقول المبدعة تحتاج إلى مساحة ونظام واضح أمامها وليس المزيد من القيود.
وحتى الجهات الحكومية المشرعة للأعمال، لا تمتلك هذه الثقافة؛ ولهذا سيبقى الأمل في إنقاذ اقتصادات «أوبك» مرهوناً بالقطاع العام والدولة وباستثناء عدد قليل من الدول، فإن الغالبية ليس لديها قطاع عام أو أجهزة حكومية قادرة على التغيير؛ لأنها هي سبب المشكلة ومن الصعب أن تكون سبباً في الحل.
ما يخيف ليس انقضاء 15 عاماً والوصول إلى ذروة الطلب على النفط، بل مرور هذه السنوات والكل يفكر أن الحلول الذي وصل إليها اليوم ستكون مجدية بعد 15 عاماً. في عالم متغير ومتسارع مثل العالم الذي نعيشه، أي تقنية نطورها اليوم لن تصمد بعد 5 سنوات من دون منافسة أو تقنية مزعزعة تقضي عليها. ولهذا الحل ليس في ابتكار الحلول، بل في خلق العقول التي تفكر في الحلول باستمرار.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة