السعودية... من «كوينسي» إلى سور الصين

السعودية... من «كوينسي» إلى سور الصين

الثلاثاء - 21 جمادى الآخرة 1440 هـ - 26 فبراير 2019 مـ رقم العدد [14700]
نديم قطيش
إعلامي لبناني
لا يعترف التاريخ بالصدف، حتى حين تقع. الآليات الغامضة التي تقود خطاه، تُفسَّر على محمل الصدف حين يستعصي الفهم، أو يغلب الاستسهال على البحث الجاد. لا صدف في حياة الأمم والشعوب. أقله لا صدف مؤسِّسة، أو حظوظ بالمعنى الذي قد يقرر مصير الأفراد.
74 سنة بالضبط، تفصل بين صورتين سعوديتين، ليست صدفة، بل مسار تاريخ طويل، واحتكاك بمتغيرات عميقة وجذرية، وولادة عوالم وموت أخرى.
الصورة الأولى، الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في فبراير (شباط) 1945، على ظهر البارجة الأميركية «كوينسي» في مصر، يوقِّع، عشية ختام الحرب العالمية الثانية، اتفاقاً تاريخياً مع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، مؤسساً للحلف الأقوى والأطول والأكثر ثباتاً في تاريخ الشرق الأوسط.
اجتماع الملك عبد العزيز - روزفلت، أعقب لقاء قمة عقده الأخير في يالطا، على سواحل البحر الأسود، ضمه إلى رئيس وزراء بريطانيا المنهكة وينستون تشرشل، وزعيم الاتحاد السوفياتي المُهان جوزيف ستالين. في مكان ما، من عقله وحدسه كان الملك عبد العزيز يعلن الانتقال بالجزيرة العربية من كنف بريطانيا العظمى إلى العصر الأميركي الذي سيطبع عموم القرن العشرين!
الصورة الثانية، الحفيد الأمير محمد بن سلمان واقفاً على سور الصين، في الشهر نفسه، فبراير، وبفارق ثلاثة أرباع القرن، معلناً الالتحاق بالقرن الآسيوي.
لم تنتهِ علاقة المملكة ببريطانيا بعد اتفاقية «كوينسي»، ولن تنتهي علاقة المملكة بأميركا بعد الزيارة التاريخية لآسيا بهندها وصينها، بالإضافة إلى باكستان، وبقية دول «المنظومة» الآسيوية، والتي ستتم زيارتها في القادم من الأشهر بالتأكيد بعد أن طرأ تغيير على جدول جولة الأمير الآسيوية.
وإذا كان النفط العنوان الأبرز والأول وشبه الوحيد لمحادثات البارجة «كوينسي»، لا سيما في ضوء فائض الحاجة إليه لتغذية المجهود الحربي خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها، ووفرته في أرض المملكة، فإن النفط ظل عنواناً لمباحثات الصين والهند من دون أن يختصرها، وهذا مما يجب الالتفات إليه لإدراك حجم ما تغير.
على البارجة «كوينسي» بحث الملك المؤسس في موقع السعودية في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وولادة هندسة جديدة للعلاقات الدولية، من بوابة الأمم المتحدة، وإعادة إعمار ألمانيا وصيانة أمن أوروبا وإعادة إعمار اليابان، وترتيب توازنات القوة في آسيا...
في الصين والهند، بحث الحفيد في موقع السعودية في عالم ما بعد النفط، وما بعد الأحادية الأميركية، وما بعد الانهيار الاقتصادي العالمي لعام 2008، وهو بالمناسبة ليس عالمياً تماماً إذا ما لاحظنا استمرار معدلات النمو في آسيا خلال الأزمة وبعدها كأنها بقيت خارجها!
لم تكن من باب التسويق إشارةُ الأمير محمد إلى بحث سبل التكامل بين «رؤية 2030» السعودية و«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، التي يصفها الباحث الاستراتيجي باراغ خانا، بأنها في عمقها وتأثيرها وأهميتها التاريخية بالنسبة إلى العلاقات الدولية، تشبه نتائج إنشاء الأمم المتحدة والبنك الدولي وخطة مارشال مجتمعة.
يَعتبر خانا في كتابه القيِّم «المستقبل آسيوي»، أن عام 2017 سيؤرَّخ به أنه العام الذي وُلد فيه عالم تقوده آسيا. هو العام الذي شهد في بكين أول قمة لـ«مبادرة الحزام والطريق» بحضور 68 دولة من آسيا وأفريقيا وأوروبا، تستحوذ على أكثر من نصف الناتج القومي في العالم. أما رمزية القمة فتمثلت في إطلاقها أكبر خطة منسقة في التاريخ البشري بكلفة تريليونات الدولارات، للاستثمار في البنية التحتية، ووصْل أكبر مراكز التجمع البشري بعضها مع بعض، في إعادة تأسيس مذهلة لطريق الحرير!
السعودية (مع تركيا)، هي الحد الغربي لهذه الخريطة الاقتصادية الآسيوية الجديدة، التي تحدها شرقاً اليابان ونيوزيلندا، وروسيا في الشمال، وأستراليا في الجنوب، وتستحوذ على نحو 50% من الناتج القومي العالمي، وثلثي النمو الاقتصادي الكوني.
ولأن القرن الآسيوي لا يُختصر في الصين، وهذا خطأ شائع في فهم العالم الجديد قيد الولادة، كانت الصفة الأوسع لزيارة الأمير محمد، بشمولها الهند وباكستان وبما سيلحقها من زيارات آسيوية حتماً.
أعود إلى حيث بدأت. لا يعترف التاريخ بالصدف، حتى حين تقع.
بينما كانت السعودية تنخرط في هذا البحث عن مكانها ونفوذها ومصالحها في عالم القرن الحادي والعشرين وأدواته وآلياته، كانت إيران بلسان قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، تقدم تصورها لمكانها ونفوذها ومصالحها. كشف سليماني أن ثمة مفاوضات جارية بين أوروبا وإيران حول ضبط الدور الإقليمي لإيران... رفض التفاوض. حذّر من تأثيره على خسارة إيران «لهويتها». ثم حدد آليات الدور حين قال إن «النظام الصهيوني لا يجرؤ على مهاجمتنا بسبب أساس وجود ركائز صلبة مثل (حزب الله) و(حماس) في المنطقة»، أي الميليشيات التي تعيث فساداً وتدميراً في المدن والبنى التحتية المادية والرمزية، وتعيد إنتاج وتصليب هويات مغرقة في فرعيتها وجذورها الانقسامية التاريخية.
نموذجان في اللحظة نفسها: دولة مشدودة إلى المستقبل هي السعودية تبحث عن لغة جديدة لعلاقتها بالعالم، وثورة تغرز أظافرها وأسنانها بماضٍ مضى بلغته ومفرداته وأدواته.
دولة تنخرط في بناء الطرق، وأخرى تربي قطّاع الطرق.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة