لقاء هانوي!

لقاء هانوي!

الأربعاء - 7 جمادى الآخرة 1440 هـ - 13 فبراير 2019 مـ رقم العدد [14687]
عبد المنعم سعيد
رئيس مجلس إدارة صحيفة المصري اليوم بالقاهرة، ورئيس مجلس إدارة ومدير المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة
فيتنام بالنسبة لجيلنا كانت ملحمة من النضال الفيتنامي ضد الأميركيين؛ دولة صغيرة من بلدان العالم الثالث تحارب القوة العظمى في العالم، وكان بادياً أنها تتحول إلى قصة عالمية مجيدة. ورغم أن الحرب الفيتنامية - الأميركية بدأت منذ منتصف الستينات من القرن الماضي، فإن سخونتها العالية، في شكل أعمال بطولية من الفيتناميين، ومذابح مخزية قام بها الأميركيون، جرت في الوقت الذي كان فيه العالم العربي يعاني جراء هزيمة يونيو (حزيران) 1967. وكانت تجربة فيتنام تلقن العرب دروساً في الصمود، بينما تعطي لأميركا الفكرة أنها ربما تحقق في الشرق الأوسط ما لم تحققه في جنوب شرقي آسيا. الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان تمنت في واحدة من أكثر قصائدها قسوة أن تدفع ريح شرقية مليون مقاتل فيتنامي نحو الصحراء العربية، لكي تهبهم «مليون ولود قحطانية»؛ وكل ذلك على أمل أن يمتد النضال من فيتنام إلى فلسطين. لم تكن حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 قد حدثت بعد، وكان الفكر العربي يتراوح ما بين استمرار النضال والبحث عن حل لقضية استعصت على الحلول. أكثر من أربعة عقود مرت على هذا الحال، واليوم تأتي فيتنام، ورمزها العاصمة هانوي، إلى مقدمة الأنباء وهي تستضيف القمة الأميركية - الشمال كورية، بعد عام من قمة سبقتها في سنغافورة، وانتهت إلى صفقة إطارها أن تتخلى كوريا الشمالية عن أسلحتها النووية، مقابل أن ترفع الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية عن بيونغ يانغ، وتخفف من وجودها العسكري في كوريا الجنوبية.
أصبحت هانوي في قلب الدبلوماسية العالمية، ولم يكن اختيارها محض صدفة، وإنما لأنها تقدم النموذج الذي سوف تقوم عليه المفاوضات الحرجة المقبلة، فالصفقة ليست عسكرية أمنية لها علاقة بالسلام والأمن في شرق وجنوب شرقي آسيا، وإنما لها علاقة بالمسار الذي يمكن أن تسير فيه كوريا الشمالية لكي يحل سلام بينها وبين الولايات المتحدة، وبينها وبين كوريا الجنوبية، ومن يعلم؟ فربما يكون التطور الاقتصادي في الشمال قائداً لعملية تتوحد فيها الكوريتين من خلال الرأسمالية، بدلاً من الضم القسري الاشتراكي الذي جرى بين فيتنام الشمالية والجنوبية. لم يعد النموذج الفيتنامي هو الذي يحض على النضال والمقاومة، والفخر بالدولة التي بلغ عدد القتلى فيها 4 ملايين، والجرحى نحو 6 ملايين، وذلك خلال الفترة (1945 - 1975). ولا بات هو النموذج الذي ارتبط بشخصية هوشي منه، مؤسس الدولة الفيتنامية، الذي قاد الحرب ضد الاستعمار الفرنسي حتى أخرجهم، وقاد معارك مختلفة ضد القوات الأميركية حتى هزيمتهم، وأصبح رئيساً للوزارة، ثم رئيساً لفيتنام الشمالية حتى وفاته في عام 1969. لم تعد فيتنام دولة هامشية كثيفة السكان، تصنف على أنها اشتراكية اقتصادياً شيوعية سياسياً، وتعد واحدة من أفقر دول العالم. فالحقيقة أن فيتنام لم تعد أياً من كل ذلك. فمنذ عام 1986، تم الأخذ بسياسات الإصلاح الاقتصادي، والتوجه نحو اقتصاد السوق، وتشجيع قدوم الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد، في إطار برنامج يعرف باسم «دوي موي» (Doi Moi)، ويعني «الإصلاح أو التجديد».
وفي هذا السياق، تطورت القوانين الحاكمة للعملية الاقتصادية، المتعلقة بقبول قوى السوق كعامل حاسم للأسعار والإنتاج، وتم افتتاح سوق للأوراق المالية عام 2000. وعلى أثر ذلك، بدأ هناك اتجاه رئيسي في الكتابات، سواء الغربية أو الآسيوية، يشير إلى «فيتنام الحديثة» أو «باريس الشرق» أو «الصعود الفيتنامي» أو «التنين الفيتنامي» أو «النموذج الفيتنامي»، وأهمية دراسته لمعرفة كيف تحولت دولة فقيرة، خرجت منهكة اقتصادياً من حروب متقطعة، لتصل إلى دولة إقليمية ناهضة، تمثل نموذجاً للقدرة على تجاوز الماضي، وعدم التجمد عند مرحلة تاريخية معينة، الأمر الذي يرتبط بالثقافة في المجتمع الفيتنامي، التي يأتي في قلبها ثقافة العمل وقيم الانضباط والمثابرة في التعليم.
ربما نعود إلى «التجربة الفيتنامية» في مقال آخر، ولكن لقاء هانوي يعكس بنقاء مسار المفاوضات المقبلة. فرغم أن لقاء سنغافورة السابق خلق موجات كبيرة من التفاؤل حول التوصل إلى اتفاق واشنطن وبيونغ يانغ، بل إنه سوف يدفع باتجاه إنهاء الحرب الكورية التي لا تزال مستمرة من الناحية التاريخية والقانونية بعقد اتفاقية سلام بين الكوريتين، وبين كوريا الشمالية والولايات المتحدة. لم يتحقق أي من ذلك، ولكن المؤكد أن العلاقات بين الكوريتين أصبحت أكثر دفئاً، وذهبت شعارات وعلامات الحرب بين الكوريتين. ما ثبت أنه كان أكثر تعقيداً مما هو متوقع له علاقة بطبيعة الموضوع ذاته، فلا إزالة الأسلحة النووية مسألة سهلة، ولا رفع العقوبات يمكن أن يتم بين يوم وليلة، ودون ضمانات بأن الطرف الآخر سوف يلتزم بما يجري الاتفاق عليه. للأمر أيضاً زوايا أخرى تتعلق بالجبهة الداخلية في كوريا الشمالية التي قامت طوال تاريخها المعاصر على فكرة الدفاع عن أرض الأجداد، والالتفاف حول عائلة «كيم إيل سونغ» التي باتت نوعاً من الملكيات «الشيوعية» الفريدة في العالم. كيم جونغ أون لا يمكنه أن يخرج من المظلة النووية دون التأكد من أن مصيره لن يكون مثل مصير معمر القذافي، ودون الدخول في الجنة الرأسمالية، وله في فيتنام مثال ومقصد.
الجبهة الداخلية الأميركية، ورغم الخلاف الكبير عن الجبهة الكورية الشمالية، فإن واقعها لا يقل تعقيداً، والرئيس الأميركي دونالد ترمب قد جعل من الاتفاق مع كوريا الشمالية حجر الزاوية في سياسته الخارجية التي سوف تدخله التاريخ أو تخرجه منه. وفي وقت بدأ فيه الصراع السياسي الداخلي بين الرئاسة والحزب الديمقراطي في مجلس النواب، الذي يوجد في قائمة الموضوعات بينهما مسألة الرئيس ذاته، والصلات الروسية إبان الانتخابات الرئاسية لعام 2016، فإن ترمب يريد من ناحية أن يرسي الأساس للحملة الانتخابية الرئاسية المقبلة في 2020. ومن ناحية أخرى، فإن مفاوضاته مع الرئيس الكوري الشمالي سوف تشكل مدى نجاحه في التفاوض والمساومة والخروج في كل مرة فائزاً. فالحقيقة أن ترمب الذي يبدو ضبابياً في بلورة استراتيجية شاملة للسياسة الخارجية، بل إنه متهم بالنزعة الانعزالية عن بقية العالم، فإنه على الجانب الآخر صمم «سوفت وير» خاص به في ممارساته مع الدول الأخرى، تبدأ عادة بالتهديد والوعيد، ثم يفتح الباب موارباً من أجل المفاوضات رافعاً سقف توقعاته، وفي تصوره أن الخاتمة تكون تحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح الأميركية التي تشكل فارقاً عن رؤساء أميركا السابقين (أوباما تحديداً) الذين طالما خذلوا الشعب الأميركي. هذا النموذج لم يصممه ترمب لكي يعمل مع كوريا الشمالية فقط، وإنما أيضاً مع الصين وروسيا، وربما إيران. والمراقب للتفاعلات معهم سوف يجدها تدور حول هذا النموذج التفاوضي. «لقاء هانوي» يريده ترمب خاتمة تضع الصفقة على طريق إعلان الفوز، وكذلك يريده كيم أون، ولكن التفاصيل الفنية للموضوع ربما لا تعطيهم ما يريدونه، غير أنهم حريصون على حد ما من النجاح المفيد على الجبهتين.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة