أليكس ويب
TT

«فيسبوك» يتعلّم من «مايكروسوفت»؟

مع اقتراب موعد فرض الغرامة الكبيرة من المفوضية الأوروبية على شركة «ألفابيت» الأميركية، يطفو على السطح التساؤل التالي: هل يمكن لشركة «غوغل» الأم تحرير نفسها من شبح العقوبات القاسية التي تفرضها الجهات الرقابية الإقليمية في المنطقة؟ ويصح الأمر ذاته بالنسبة لشركتي «أمازون» و«فيسبوك» الأميركيتين، وتواجه كل منهما التدقيق والمراجعة فيما يتصل بكيفية التعامل مع بيانات المستخدمين. ومن شأن تلك الشركات أن تنتهج المسار الأسوأ بكثير من مجرد الاعتبار من عملاق التكنولوجيا الزميل الرابض على الساحل الأميركي الغربي، وكيفية إدارته للعبة وتطبيقه لأصولها.
لم تمرّ فترة طويلة منذ أن كانت شركة «مايكروسوفت» الأميركية أحد ألد أعداء المفوضية الأوروبية. وخلال أغلب سنوات العقد الأول من الألفية الجديدة، كانت الشركة مستهدَفة للغاية بسبب الطريقة التي نظمت بها منتجاتها من خلال نظام التشغيل «ويندوز» صاحب الهيمنة آنذاك. وصارت الشركة في مرمى أهداف ما عُرف وقتها بـ«الغرامات الرقابية ذات الأرقام القياسية».
وبالرجوع سريعاً إلى عامنا (2019) الحالي، نرى أن «مايكروسوفت» قد تحولت وضعيتها تماماً، وصارت قيد القواعد التنظيمية للجهات الرقابية الأوروبية. وجاء ذلك نتيجة جهود مضنية ومتضافرة لتغيير الأمور وتحسين الأوضاع. وأصبحت تلك التجربة من أبرز السابقات المميزة في وادي السيلكون بالولايات المتحدة.
ولفترة طويلة من الزمن، كان أداء «مايكروسوفت» حيال المفوضية الأوروبية يتسم بالبغضاء والعدائية. وبدا أن موقفها يدور حول شعار «أولئك البيروقراطيون الأوروبيون ليسوا أشد جهلاً بالتكنولوجيا الحديثة فحسب، وإنما هم على خطأ كذلك». وبرزت هذه النظرة المتعالية المستعرة بصورتها المؤلمة من خلال الغرامة الهائلة التي تكبدتها الشركة الأميركية في عام 2008 بواقع 860 مليون يورو (ما يساوي 982 مليون دولار وقتها) جراء عدم الامتثال لحكم صادر مسبقاً من جانب المفوضية الأوروبية ضد الشركة.
وقبل نحو خمس سنوات، بدأ موقف الشركة في التغير؛ إذ أدركت أنه، بأكثر من مجرد الالتزام الحرفي ببنود القانون، كان حرياً بها أن تلتزم موقف اللاعب الإيجابي. ومن ثم اعتمدت الشركة مبدأ الدبلوماسية الناعمة؛ إذ أجرى كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركة، أمثال الرئيس براد سميث، اجتماعات شبه منتظمة مع صُنّاع السياسات في الاتحاد الأوروبي، ونظموا حفلات «بروتوكولية» لكبار المسؤولين في بروكسل. ومما ساعد في تهدئة الأجواء أن خلف ساتيا ناديلا ستيف بالمر على منصب الرئيس التنفيذي للشركة اعتباراً من عام 2014، جالباً في جعبته منهجاً للتواصل يتسم بالتواضع أكثر من الصلف والغطرسة.
وذهاباً لما هو أبعد من ذلك. كانت الهزة الشديدة التي ضربت صناعة التكنولوجيا على الصعيد العالمي، إثر ما كشفه إدوارد سنودن، المتعاون الأسبق لدى وكالة الأمن القومي الأميركية، في عام 2013 عن مدى ما تراقبه حكومة الولايات المتحدة من بيانات الآخرين على كل الصُعُد والمستويات. ربما ومن قبيل الانتهازية، حاولت «مايكروسوفت» استغلال الأجواء الراهنة آنذاك في إعادة تعريف ذاتها، كأحد أبرز المدافعين عن الخصوصية والتزمت الخندق نفسه مع المفوضية الأوروبية في الاعتراض على مطالب الولايات المتحدة بحق الوصول إلى البيانات.
تحتاج شركة «غوغل» الآن إلى العثور على أرضية مشتركة مماثلة، ويمكنها البدء بتهدئة التدابير المتخذة، التي تبدو وكأنها تهديدات موجهة إلى الطرف الآخر، مثلما أعلنت، في الأسبوع الماضي، أنها تنظر في إغلاق خدمة «أخبار غوغل» في أوروبا، رداً على مشروع قانون حقوق الطبع والنشر، الذي قد يفرض على الشركة سداد مقابل مادي إلى الناشرين. والتزام الدبلوماسية الناعمة من شأنه أن يضفي بريقاً جديداً على موقف الشركة في بروكسل، لا سيما مع تراجع حدة التحقيقات المعنية بالسلوكيات المضادة للتنافسية في الإعلانات الرقمية.
وتركز شركة «أمازون»، في الأثناء ذاتها، على الأسلوب الذي قد تُستخدم به البيانات في محاكاة المنتجات التي يُعنى البائعون الآخرون ببيعها عبر موقعها من أجل الدفع بهم إلى الخارج. ويتصاعد زخم الانتقادات التي تواجه «فيسبوك» في خضم المخاوف بشأن مدى انتشار المعلومات المزيفة عبر منصتها وبياناتها الدقيقة للغاية عن عادات المستخدمين.
كما عرضت «مايكروسوفت» بعض العلاجات الجديدة كي تبدو أكثر تعاوناً. وبالنسبة إلى متصفح «إنترنت اكسبلورر»، فلقد قررت الشركة السماح لمستخدمي نظام «ويندوز» باختيار أيّ متصفح يرغبون في استخدامه، وذلك بعد الانتقادات التي نالتها من الجهات الرقابية بشأن كيفية ربط الشركة لهذين المنتجين معاً. ويلقى هذا النوع من الحلول الصناعية قبولاً واستحساناً كبيراً لدى الجهات الرقابية في بروكسل.
ولكن في هذه الحالة، فإنها تؤيد أيضاً تغييراً جوهرياً في أعمال الشركة، فلقد سمح خيار تغيير المتصفح لشركة «غوغل» ومتصفحها «كروم» بسرقة حصة من نصيب السوق لمتصفح «إنترنت إكسبلورر». مما يجعل الأمر ملحّاً وعاجلاً للغاية من ناحية «مايكروسوفت» للبحث عن عوائد بديلة في أماكن أخرى. وتمثل الحوسبة الشخصية في الآونة الراهنة أقل من نصف المبيعات، ويمكن تفسير التحول لخدمات شركات أخرى جزئياً بأنه نتيجة للضغوط الرقابية.
أما بالنسبة إلى «غوغل» و«فيسبوك»، فإن هذا الأمر يزيد من أهمية العثور على منافذ للتدفُّق غير معتمدة على الإعلانات المستهدفة الحالية، إذ يشكل هذا النشاط التجاري جميع مبيعات الشركتين تقريباً، ويعتمد في الوقت ذاته على استغلال بيانات المستخدمين بطريقة تثير حفيظة وانتقادات الجهات الرقابية الأوروبية.
وتقف شركة «فيسبوك» في بعض الأحيان موقف المذنب بسبب عقلية إدارة الأعمال التي كانت في يوم من الأيام من أعراض علل «مايكروسوفت» السابقة، وبالتحديد الظن بأن الجهات الرقابية «حمقى» ولا يفهمون كيفية إدارة شؤون التكنولوجيا في الشركات العملاقة. وعندما خضع رئيس «فيسبوك» التنفيذي مارك زوكربيرغ للاستجواب من طرف أعضاء البرلمان الأوروبي بشأن قضايا الخصوصية في شهر مايو (أيار) الماضي، أثبت أنه يراوغ كثيراً، وحاول إنهاء الاستجواب من طرف واحد مع تزايد حدة الأسئلة الموجّهة إليه مع عجزه الواضح عن الإجابة عنها، الأمر الذي أثار غضب نواب البرلمان الأوروبي.
قد يدرك زوكربيرغ لاحقاً احتياجه الواضح إلى مساعدة خارجية: بعد محاولاته المتكررة لاستمالة براد سميث من عمله لدى «مايكروسوفت»، توجه أخيراً لتعيين نائب رئيس الوزراء البريطاني السابق نيك كليغ رئيساً للاتصالات الخارجية (العالمية) في الشركة.
وهو يواجه تحديات هائلة لتغيير صورة الشركة، باعتبار سوء الطوية العميق لدى الجانب الأوروبي حيال مؤسس الشركة، ونائبته الأولى شيريل ساندبيرغ.
وبقدر ما تبدو عليه أهمية العلاقات لدى شركات التكنولوجيا العملاقة، فإن هناك مجالاً لتحويل الدفة. ففي عام 2014، غرّدت رئيسة المفوضية الأوروبية السابقة لشؤون التنافسية بصورة ذاتية تجمعها رفقة براد سميث، مع تعليق يقول: «صورة ذاتية مع رئيس (مايكروسوفت)؟ لم أكن لأتصور ذلك قبل 10 سنوات من الآن قط».
فإن نجحت «مايكروسوفت» في ذلك، وأصبحت أكثر الشركات التكنولوجية قيمة على مستوى العالم، فيمكن لبقية الشركات أن تحذو حذوها من دون شك.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»