مأساة السوريين أبعدُ من القتل والتهجير

مأساة السوريين أبعدُ من القتل والتهجير

الجمعة - 12 جمادى الأولى 1440 هـ - 18 يناير 2019 مـ رقم العدد [14661]
فايز سارة
كاتب وصحافيّ سوريّ
مرة جديدة، يغرق السوريون أكثر بالمعاناة من أوجاع ومرض وإفقار وجوع وصولاً إلى موت في موجة السيول والثلج التي غمرت سوريا وجوارها مؤخراً، وتركت بصماتها في مختلف الأنحاء سواء لسكان مخيمات بلدان الجوار، أو في شقيقاتها مخيمات الداخل، دون استثناء مقيمي المدن والقرى، سواء في مناطق سيطرة النظام أو خارجها، فضربتهم في أساسيات حياتهم، وإن كان بقدر أقل مما أصاب سكان المخيمات.
ففي الأسابيع الماضية، اجتاحت موجة السيول الناتجة عن الأمطار والثلوج مخيمات السوريين وخاصة في شمال سوريا ولبنان، فحاصرتهم ببرد الثلوج، وبقوة السيول، وقد تساعدتا في اقتلاع الخيام وتدميرها، وإتلاف محتوياتها المتواضعة من أثاث ولباس ومواد تموينية، وتشريد أغلب سكانها، ومنعت وصول فرق الإنقاذ والمساعدة المحلية إلى المخيمات، بل إن مخيمات بكاملها في الشمال السوري جرفتها مياه السيول، وأخرى في عرسال شمال لبنان دمرتها الثلوج المتراكمة فوق خيامها، فيما كانت المياه تجتاح أرضياتها، وهذه بعض صورة إجمالية عن تدقيق جرى، لما أصاب سبعين مخيماً في المنطقتين من تدمير كلي أو جزئي، وما لحق بسكانهما الذين يشكلون بعضاً من سكان مخيمات الشمال السوري وشمال لبنان، وفيهما قرابة مليون فرد من النازحين واللاجئين موزعين على نحو 500 مأوى بين مخيم وملجأ.
وتقارب حالة المخيمات الأخرى في سوريا ولبنان والأردن، وإلى حد ما في تركيا، حالة مخيمات الشمالين السوري - اللبناني، لأن موجة الثلوج والأمطار كانت عامة، والمخيمات في غالبيتها عشوائية، وهشة في بناها، وضعيفة بإمكانياتها، وتكاد تغيب عنها بصورة كاملة أنشطة منظمات الإغاثة الدولية والإقليمية، إضافة لما يحيط بوضع عموم المخيمات من أوضاع أمنية، تضيف المزيد من صعوبات العيش، وترديات الحياة لسكانها، ويندرج في إطار ذلك ما تتابعه السلطات اللبنانية من حملات أمنية واعتقالات في مخيمات لبنان وخاصة مخيمات عرسال، وما شهدته مخيمات الشمال السوري من تداعيات حرب هيئة تحرير الشام («النصرة» سابقاً) على شقيقاتها من تشكيلات مسلحة في المنطقة، فيما يعاني مخيم الركبان القريب من الحدود الأردنية من حصار قوات النظام وامتناع السلطات الأردنية والمنظمات الدولية عن مساعدة سكانه في حد أدنى من تأمين الغذاء والدواء، فصار الموت بسبب غيابهما أحد ملامح المخيم قبل أن تضاف إليهما موجة البرد الشديدة.
ولا تبدو حالة السوريين في المناطق الأخرى أحسن حالاً بالنسبة لأكثرية سكانها. ففي المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة والخارجة عن سيطرتها، لا تبدو الفروق كبيرة؛ ففي كل المناطق ارتفاع في معدلات البطالة، وفقر متصاعد قالت تقارير دولية، إنه قارب ما نسبته تسعون في المائة من السوريين، وسط تردي ظاهر للخدمات، وارتفاع هائل في أسعار المواد وخاصة أسعار وقود التدفئة والمواد الغذائية والأدوية، ليس بسبب سياسة الاحتكار التي يطبقها تجار الحرب، وإنما أيضا بسبب عجز النظام عن توفير الطاقة الكهربائية والمواد البترولية والسلع الضرورية الأخرى، إضافة لغياب سياسة ضبط الأسواق والفساد الشائع والرشاوى، وكلها عوامل زادت في معاناة السوريين بمن فيهم سكان دمشق، التي طالما سعى النظام لتأكيد أن مسار الحياة فيها يجري بصورة طبيعية، وكان بين أبرز تعبيرات تدهور حياة سكان المدينة في ظل هجمة الثلوج والأمطار، قيام عدد من شخصيات فنية وإعلامية من مؤيدي النظام بإطلاق منشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن البرد والجوع، وفقدان المواد الأساسية وارتفاع الأسعار، وفساد الحكومة، وضرورة تدخل رئيس النظام لمعالجة تدهور الأحوال وسوء حياة السوريين!.
لقد جعلت مصادفة مجيء هجمة الثلوج والأمطار مع تراجع الدعم الدولي للاجئين الوضع أسوأ بكثير؛ إذ قلصت الأمم المتحدة في الفترة الأخيرة جهودها نتيجة ما قالت إنه ضعف في تمويل برامجها، فخفضت مساعداتها وخدماتها للنازحين داخل سوريا واللاجئين في بلدان الجوار ومنها وقف المساعدات المالية الشهرية لعائلات اللاجئين الأكثر فقراً، كما أوقفت ما كانت تقدمه من قسائم طعام، كانت تساعد اللاجئين في تدبير أمورهم، وتم تعليق كثير من المساعدات الطبية والبرامج التعليمية المخصصة لهما، بالتزامن مع تخفيض عدد المنح التعليمية من قبل مانحين دوليين، وكله أثر بصورة سلبية في حياة اللاجئين والنازحين وخاصة بتزامنه مع التطورات البيئية الأخيرة.
الصورة الإجمالية للوضع، تكشف عمق ما صارت إليه مأساة السوريين، التي بدأها النظام عام 2011 بالقتل والاعتقال والتهجير والتدمير، وتابعها لاحقاً بمساعدة حلفائه، قبل أن تتحول إلى مأساة مركبة، تتشارك في صنعها ومفاقمتها الظروف الطبيعية وسياسات دول ومنظمات دولية وجماعات مسلحة وتجار حروب.
إن الأسوأ في مأساة السوريين الراهنة، يقترب مع بدء هجمة جديدة من الثلوج والأمطار لاجتياح بلدان شرق المتوسط بالتزامن مع استمرار أجواء حرب «هيئة تحرير الشام» في إدلب وجوارها، مع احتمال بدء تركيا حرباً مفتوحة في شرق الفرات ضد ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي النواة الصلبة لقوات سوريا الديمقراطية، فيما يستمر مع غياب أي حل للقضية السورية إثبات نظام الأسد عجزه عن تأمين احتياجات السكان من الكهرباء ووقود التدفئة وضبط الأسعار ومحاربة الفساد، وعجز الأمم المتحدة عن الوفاء بالتزاماتها حيال النازحين واللاجئين السوريين.
كارثة السوريين المستمرة تتصاعد مع اقترابها من بداية عامها التاسع بإضافة عوامل جديدة إلى جرائم القتل والتعذيب والتهجير، بإضافة هجمات الثلوج والأمطار، وعجز نظام الأسد الذي يقول كثيرون إنه باق ولو مرحلياً في السلطة، وإنهم سيعيدون العلاقات معه، وتقصير المجتمع الدولي في معالجة أوضاع السوريين التي تختصر مأساويتها حالات تجمد عشرات الأطفال بمخيمات اللاجئين، وقيام السورية سندس فتح الله بإحراق نفسها وثلاثة من أطفالها لعدم توفر الغذاء لهم طوال أيام في مخيم الركبان.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة