معلم لورنس العرب

معلم لورنس العرب

الثلاثاء - 9 جمادى الأولى 1440 هـ - 15 يناير 2019 مـ رقم العدد [14658]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
متفَقٌ عليه أن المستكشفين هم الذين مهَّدوا للاستعمار: كريستوفر كولومبوس، والبرتغالي فاسكو دي غاما، والفرنسي كارتييه (كندا)، وغيرهم. الرحّالة الذين جاءوا إلى العالم العربي كانت أهدافهم متفاوتة ما بين البحث عن «شجرة الحياة»، كما فعل الدنماركي كارستن نيبور، في مكة والمدينة، وكما فعل البريطاني ريتشارد بورتون، والسويسري جون لويس بوركهارت ممن أشهروا إسلامهم لهذا الهدف.
كان في اعتقادي، حتى الآن، أن بوركهارت كان «أحد» الرحّالة البارزين. لكن أوجين روغان، مدير دائرة الشرق الأوسط في جامعة أوكسفورد، يَعتبر بوركهارت عميد الرحّالة وأكثرهم أثراً. إنه في اعتقاده «لورنس العرب الحقيقي»، أو الأول، ذلك الغربي الذي يدرس العربية، ويرتدي اللباس العربي، ويطوف في العالم العربي باحثاً ودارساً ومؤرخاً. وقد أظهر أنه تفهَّم العرب في عمق لم يساوِه فيه أحد حتى الآن.
في البداية لم يكن بوركهارت يعدّ نفسه لحياة في الاستشراق، بل لاكتشاف منابع أنهر أفريقيا، خصوصاً نهر النيجر، الذي كان مندهشاً بأصوله. ولذا، استعدّ للذهاب إلى أفريقيا الوسطى، لكنه لم يبلغها، بل أكمل رحلته إلى مكة والمدينة، من ثم عاد إلى القاهرة حيث أُصيب بمرض توفي على أثره عام 1817.
أكثر ما اشتهر به أنه أول غربي يشاهد الآثار النبطية في البتراء. وقد خطر له أن مدينة البتراء المفقودة هي نفسها التي ترِد في حكايات البدو. وقد شكّك البدو في أمره عندما طلب مرافقته. وكانوا يعتقدون أن أي شخص يبحث في الخرائب إنما يسعى للعثور بينها على الكنوز والذهب. لكنه نجح في إقناع بعضهم بالعمل معه كأدلاء.
واستطاع في سرعة أن يرسم خريطة للمدينة، مع أن أدلاَّءهُ أخرجوه منها في سرعة، عن طريق الحيلة.
يقول روغان إن ميزة الرحّالة السويسري كانت في اختلاطه بالسكان المحليين أينما ذهب. وقد تفهَّم أحوالهم وطبائعهم وعاداتهم من دون استعلاء. وكان شديد الدقة في التدوين بحيث تحوّلت أسفاره في سوريا والجزيرة العربية إلى دليل اجتماعي بقدر ما هي انطباعات مشهدية على طريقة سائر الرحّالة. قبل أن أقرأ خلاصات روغان، كان يُخيَّل إليَّ أن أكثر مَن أثّر في حياة لورنس العرب هو البريطاني تشارلز دوتي، صاحب «أسفار في الجزيرة العربية (1888)»، الذي وصفه لورنس نفسه بأنه سيّد مكتشفيها الغربيين، ولذا، ربما لا بد من إعادة قراءة بوركهارت مرة أخرى.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة