قمتان للتباهي العربي: شتوية وربيعية

قمتان للتباهي العربي: شتوية وربيعية

الجمعة - 27 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 04 يناير 2019 مـ رقم العدد [14647]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق
بات مألوفاً أن انعقاد القمة، عربية كانت أو إسلامية، أو التي في كتلة عدم الانحياز أو الاتحاد الأفريقي، في الدولة التي يتم فيها الانعقاد، هو نوع من الاعتزاز بذلك. النظام في هذه الدولة يتباهى، والشعب يشعر بأهمية وطنه وعاصمته.
وبقيت مصر متباهية منذ انعقاد القمة العربية الأولى التي استضافها الملك فاروق بالمزرعة الملكية في «أنشاص» على مدى يومي 28 و29 مايو (أيار) 1946، وكان الانعقاد خالياً من الموضوعات الخلافية الصعبة، إلى أن قاسمها التباهي لبنان بعد عشر سنين، إذ إن الرئيس الراحل كميل شمعون دعا القادة العرب إلى قمة استثنائية استضافها في بيروت يومي 13 و14 نوفمبر (تشرين الثاني) 1956. وبهذه القمة التي كانت رائدةَ ظاهرةِ القمم العادية والاستثنائية والدورية بعد ذلك، سجَّل لبنان في كتاب العروبة أنه على نحو ما دسْتَره الميثاق الوطني، وما زاده تثبيتاً «اتفاق الطائف» في البند الثاني من «وثيقة الوفاق الوطني» التي أذاعها بنداً بنداً وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل (رحمة الله عليه) يوم الاثنين 18 سبتمبر (أيلول) 1989، هو «لبنان عربي الهوية والانتماء، وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم بميثاقها...». كما سجَّل إضافة بالغة الأهمية، وهي أنه عندما يصيب المكروه دولة شقيقة، فإنه يبادر إلى ما هو أكثر من تسجيل موقف لفظي. ومن هنا، كانت مبادرة الرئيس شمعون المتمثلة بدعوة القادة العرب إلى قمة استثنائية في بيروت لمناصرة مصر ضد العدوان الثلاثي (البريطاني - الفرنسي - الإسرائيلي) رداً على تأميم عبد الناصر قناة السويس. ويومها شارك في تلك القمة الملك سعود بن عبد العزيز، والملك حسين، وعبد الفتاح المغربي رئيس مجلس السيادة في السودان، والرئيس السوري شكري القوتلي، والملك فيصل الثاني (ملك المملكة العراقية)، وكميل شمعون، ومصطفى بن حليم رئيس الحكومة الليبية نيابة عن الملك إدريس السنوسي، وعبد الحميد غالب نيابة عن الرئيس عبد الناصر، والأمير سيف الإسلام محمد البدر ولي عهد المملكة المتوكلية اليمنية نيابة عن الملك الإمام يحيى، رحمة الله على الجميع.
ورغم أن كميل شمعون بريطاني الهوى، وأن لبنان عموماً فرنسي الهوى (هذا قبل سبعة عقود)، فإن فيض الإحساس العروبي تقدَّم على ما عداه، وكانت الدعوة إلى القمة والتلبية من دون أي تحفظات. وأما القرارات فكانت عبارة عن أربعة من نوع ما قلّ ودلّ: مناصرة مصر واتخاذ التدابير الفعالة إذا تطلَّب الأمر في حال عدم سحْب القوات المعتدية من الأراضي المصرية من دون قيد أو شرط، واعتبار سيادة مصر أساس حل لموضوع تأميم قناة السويس، وتوجيه «تحية الأُخوة الصادقة والتقدير والإعجاب إلى سيادة رئيس الجمهورية المصرية جمال عبد الناصر وإلى القوات المصرية المسلحة وإلى شعب مصر، مكْبرين وطنيتهم وتفانيهم في الدفاع عن سلامة مصر وسيادتها وعن القومية العربية وكرامة شعوبها وعزتها».
وحيث إن الجزائر كانت ما زالت توجه نضالها ضد الاستعمار الفرنسي، فإن لبنان العروبي شاء أن تكون القمة مناسبة لتضمين القرارات «تأييد مطالب الشعب الجزائري في نضاله حتى تحقيق أمانيه القومية في الاستقلال والسيادة».
وتشاء الظروف الصعبة التي عاشها لبنان، نتيجة عشر سنين من الحرب والصراعات وتدخلات الأغراب في شؤونه، أن يسجل رئيس دولة الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وقفة مماثلة لتلك التي اتخذها الرئيس شمعون، وتمثلت في أنه من أجل تدعيم لبنان المثخن بتداعيات الحرب، وحرصاً على تمتين أساساته، التي وضعها «اتفاق الطائف»، ارتأى تجيير دور الإمارات في استضافة القمة العربية الدورية إلى لبنان الذي استضافها يوم 27 مارس (آذار) 2002، وبات يتباهى أمام الجمع الدولي بأن مبادرة السلام العربية انطلقت من قمة بيروت، وهذا أمر شاءه الملك عبد الله بن عبد العزيز للدور اللبناني، وبحيث باتت دول العالم تربط أول مبادرة سلام عربية حظِيَت بإجماع غير مسبوق، بصدورها من بيروت. وهذه ذروة التباهي، وتعكس مدى أهمية الحكمة المقرونة بالحنكة على نحو ما فعله الشيخ زايد لجهة تجيير مكان الانعقاد، وما شاءه الملك عبد الله لجهة انطلاق مبادرة السلام العربية من لبنان بالذات.
ومن هنا، يجوز الافتراض أن الحنكة الإماراتية المقرونة بالحكمة، المتمثلة حديثاً بانفتاح متدرج على النظام البشَّاري بهدف استعادته إلى فضائه العروبي، هي استحضار من جانب الأبناء لأسلوب الأب الراحل في اقتحام الأبواب الموصدة أمام تصويب مواقف، كلما تأخر البتّ فيها ازدادت تعقيداً. وعندما يستحضر البنون تخريجات الأب التي تستهدف مداواة الأحوال العربية بما هو متيسر، فهذا مؤشر إلى أن القمة العربية الدورية خلال انعقادها الثلاثيني في تونس منتصف أبريل (نيسان) 2019 مرشحة ربما لأن تحقِّق إعادة متدرجة لسوريا بمثل استعادة مصر إلى مكانها في منظمة المؤتمر الإسلامي خلال قمة استضافها الملك الحسن الثاني في الدار البيضاء من 16 إلى 19 يناير (كانون الثاني) 1984، وكانت تلك الاستعادة خطوة أولى مهّدت لاحقاً لاستعادة مصر عضويتها المعلَّقة في الجامعة العربية، ثم عودة الأمانة العامة للجامعة إلى مقرها في القاهرة. وتلك وقائع بات محلَّلاً في مقال لاحق الكشف عما في إضبارات شاهد مثل حالي واكب القمم وتابع ما عُرف وكان مثيراً من مواقف وقرارات، وما خفي من مشاورات واستقطابات في لقاءات الكواليس كان أعظم.
بعد أيام هنالك موعد ثالث للبنان يمكن التباهي به، ويتمثل في أنه تم التوافق قبل بضعة أسابيع على أن يستضيف قمة عربية تنموية اقتصادية.
وفي العادة، فإن أهل الحكم في أي بلد عربي عندما يكون هنالك مثل هذا الموعد يستعدون له أفضل استعداد، من تعبيد الطرقات التي تمر بها مواكب القادة الذين وافقوا على المشاركة، إلى تجهيز الفنادق وتفخيم الأجنحة التي سيحلّ فيها رؤساء الوفود، ناهيك بقوائم الطعام التي سيتم تقديم وجباتها الثلاث. وإلى ذلك إعداد سيارات جديدة وتأثيث القاعة التي ستنعقد فيها جلسات القمة وتزهيرها بأنواع الورود.
وهذا يسبق توجيه الدعوات التي تتم من خلال مبعوثين بتفاوت مراتبهم الرسمية. ويبذل أهل الحكم إياهم الكثير من الاهتمام بالأمر، على أساس أن القمة المستضافة ستدخل بنداً في تاريخهم الشخصي. وكل هذا الذي نشير إليه يحدث في حال توفر العنصر الأساسي لنجاح انعقاد قمة، وهو أن البلد مستقر ومؤسسات الحكم تمارس مهامها على الوجه الأكمل. كما أنه ليس هنالك مشكلات عالقة ولا احتجاجات شعبية.
بعض ما نشير إليه تم تجهيزه عدا العنصر الأساسي، حيث إن لبنان من دون حكومة منذ بضعة أشهر. وذروة الاستغراب أن الدعوات إلى القمة كانت تتم من خلال وزير في حكومة موجودة اسماً من دون فِعل، كونها على نحو التسمية الرسمية لها «حكومة تصريف أعمال». وفي الوقت نفسه هنالك تسويف وصراعات وتبادل شتائم ومكايدات وزرع ألغام سياسية قابلة للانفجار. كما أن هنالك حالة من التردي في قطاعات التجارة والصناعة، ناهيك بالهواجس والخشية من إفلاسات قد تحدُث تباعاً ولا يسلم منها حتى المصارف اللبنانية... إلا إذا كانت ظاهرة الإكثار من فتْح الفروع لهذه المصارف تعني أنه لا خوف مما هو أعظم.
وإلى ذلك، فإن المدعوين إلى القمة لا بد أن يتساءلوا: كيف تكون التنمية هي عنوان هذه القمة، والحال مستمر على نحو ما هو حاصل في لبنان. ومثل هذا التساؤل قد ينتهي إلى الخشية من أحد أمريْن: إما أن تنعقد القمة الشتوية على مستويات الصف الثالث من المسؤولين، وفي ذلك خسارة معنوية للبنان، وإما ألا يكون هنالك إجماع على الحضور. وفي الحالتيْن خسارة.
وأما بالنسبة إلى القمة الربيعية (القمة العربية الدورية الثلاثين) التي ستستضاف في تونس، فإن ما يقال في شأن أحوال لبنان المنقوص الحكومة يُقال في شأن أحوال تونس المعلولة الحكومة لكثرة المناكفات وبالذات بين الرؤوس الكبيرة. هذا فضلاً عن أن الشارع قابل في استمرار لاستقبال الأصفر، مثلما حدث في السودان، وما زال، ومرشح دائماً للحدوث في لبنان.
هنا نتساءل: أي معنى للتباهي إذا كانت القمة، سواء تلك الشتوية في بيروت، إذا كانت أمور أهل الحكم على النحو الذي لا يشجع، وتلك الربيعية في تونس، إذا كان هناك من أهل الحكم من لا يبذلون جهوداً وفاقية لكي تكون استضافتهم للقمة فرصة لبلسمة ما على قادة الأمة بلسمته للجراح العربية، وأكثرها نزفاً الجرح السوري؟! والله التواب.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة