عام جديد... عولمة عادلة أو الطوفان

عام جديد... عولمة عادلة أو الطوفان

الثلاثاء - 24 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 01 يناير 2019 مـ رقم العدد [14644]
إميل أمين
- كاتب مصري
مع الأيام الأولى للعام الجديد، والاقتراب من العقد الثالث للقرن الحادي والعشرين، ارتفعت أصوات لها موضوعيتها وموثوقيتها تطالب بإنقاذ البشرية السائرة في دروب عولمة متوحشة تنذر وتهدد بكوارث إنسانية غير مسبوقة، إن لم يتم تدارك الأمر، والاستعاضة عنها بعولمة عادلة، فيها من الفرص المتساوية ما يسمح للجميع بالنجاة من الطوفان الآتي بلا ريب.
على هامش قمة العشرين الأخيرة، كان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ينادي باستراتيجية دولية مشتركة، تطرح «عولمة عادلة» لا تترك وراءها أحداً، لا سيما أن حصاد «الكوكبية» عبر العقود الثلاثة المنصرمة يتمثل في تقسيم العالم إلى قسمين: رابحين وخاسرين، وهو منطق لا يمكن عقلاً أو عدلاً قبوله، خصوصاً أنه عمق من انعدام الثقة بين الدول، وزاد من مخاطر المواجهة والتصعيد، وأدى إلى نقص الثقة من قبل الشعوب تجاه حكامها بداية، وتجاه الآخرين تالياً، الأمر الذي فتح الأبواب واسعة لاضطرابات سياسية، تمثلت في حركات احتجاجية شغلت العقد الأخير شرق أوسطياً، وانتقلت الآن إلى المعسكر الغربي.
الحلول عند غوتيريش تتمثل في ضرورة قيام اقتصادات العالم الكبرى العشرين بدعم خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030، التي تم تطويرها لضمان عولمة عادلة، تهدف إلى القضاء على الفقر، ومعالجة مجموعة من مشكلات الحكم في جميع أنحاء العالم.
غير أن علامة الاستفهام هنا: هل تطلعات غوتيريش ضرب من ضروب اليوتوبيا، وقرع على أبواب المدينة الفاضلة، خصوصاً في ضوء براغماتية غير مستنيرة تقود القوى الكبرى في مسيرها؟
مؤخراً، تحدث البروفسور ياريد دايموند، أستاذ الجغرافيا الأشهر المفكر الأميركي المعروف، عن الخطر الذي يعيشه عالمنا جراء التفاوت غير المسبوق في مستويات المعيشة حول العالم، لا سيما أن الحياة برمتها على كوكب الأرض باتت مهددة من قبل التغير المناخي، والسلاح النووي، ونضوب الموارد الطبيعية، وزيادة الهوة الفاصلة بين الأغنياء والفقراء.
حديث الجغرافيا، وربما انتقامها، يقودنا إلى القطع بأن استمرار الفوارق الصارخة بين مستويات المعيشة العالمية العالية، والنامية المتدنية، أمر لا يمكن احتماله، ولن يطول شأنه. فبعد أن قصرت العولمة المسافات في العقول، جراء وسائل الاتصالات والإعلام، أضحت الكيانات الفقيرة والبائسة قادرة على إثارة مشاكل للدول الغنية، سواء بالانتقال الطوعي إليهم، أو بالهجرة غير الشرعية، تلك التي باتت تهدد قارات بأكملها، كما حال العلاقة اليوم بين أفريقيا السمراء وأوروبا البيضاء.
يتطلع مواطنو الدول النامية إلى مستوى معيشي مقارب للدول المتقدمة، لكن هذا معناه أن استهلاك العالم سيزداد بمقدار عشرة أضعاف، أي أن الحاجة ستكون لاستهلاك نحو 80 مليار نسمة، وأفضل المتفائلين يزعمون أن الأرض قادرة على توفير سبل الحياة لـ9.5 مليار نسمة... فما الحل؟
يحاجج نائب الرئيس الأميركي الأسبق ديك تشيني، على سبيل المثال، بأن «أسلوب الحياة الأميركي غير قابل للتفاوض»، وهذه عينة من تفكير كثيرين حول العالم تلفهم أنانية قاتلة، ويتعامون عن حقيقة السباق الدائر حول العالم بسرعة شديدة بين جواد للدمار وآخر للأمل، ولا تزال النتيجة غير معروفة أو محسومة، وفي كل الأحوال تبدو احتمالات المخاطر والغرق أرجح من فرص النجاة.
في حديث أخير، تكلم بابا الفاتيكان البابا فرنسيس عن عالمنا المعاصر ومأساته الحقيقية، ذاك الذي يتشدق لفظياً بالبحث عن السلام، في حين أن المفهوم يضحى قاصراً لو اكتفى بالتطلع إلى غياب الحروب، من دون رؤية متكاملة لتنمية شاملة للأفراد والشعوب، وعنده أنه يجب أن يتم فهم السلام على أنه التزام المجموعات الاجتماعية والدول بالعيش في علاقات عدالة وتضامن، بأفعال حقيقية لا بشعارات عاطفية.
يدرك المراقبون للمشهد الدولي أن البابا فرنسيس كان - ولا يزال - حاضنة إنسانية للمهاجرين واللاجئين في السنوات الأخيرة في أوروبا، وصيحاته ضد جدران الخوف استجلبت عليه انتقادات قاسية من اليمين الأوروبي المتطرف، لكنه يبقى صوتاً صارخاً في برية عولمة الأنانية، ضد مفاهيم الامتلاك والهيمنة، وإقامة الجدران العازلة.
ولدت العولمة غربية، وهذه حقيقة لا مراء فيها، لكن ما هي حصيلتها في الغرب عينه حتى الساعة؟
على أبواب العام الجديد، ها هو «فجر أوراسيا» ينبلج، والغرب يتراجع صناعياً، وآسيا تنهض على كل الأصعدة، وفيما طبقات وسطى يشتد عودها في الصين على سبيل المثال، وبقية المجموعة الشرقية الآسيوية، تكاد تذهب الطبقات الوسطى الغربية نحو الاضمحلال، آخذة معها الأنظمة السياسية النيو ليبرالية، تلك التي سكنت المدن الكبرى على شواطئ المحيطات، من نيويورك إلى كاليفورنيا، وألقت بأكثر من نصف المجتمع في الفقر، ودفعوهم نحو ضواحي تلك المدن، بحسب المفكر الفرنسي تيري ميسان.
نادراً ما يفكر الغربيون خارج المنهج الأرسطي التقليدي، الذي لا يؤمن إلا بتضاد الظواهر، وصولاً للمجابهة والحروب، بخلاف المنهج الشرقي الكونفوشيوسي الذي يرى الكل وجوداً أنطولوجياً واحداً، وإن تغيرت مراكز القوة، وتنقلت من ناحية إلى أخرى، إلا أن استثناء وحيداً قرأنا عنه مؤخراً تمثل في تصريحات مدير جهاز المخابرات الخارجية البريطانية (MI6)، أليكس يونغر، الذي أشار إلى أن كفة التوازن العالمي، والسلطة والأموال والسياسة، تتجه بشكل أساسي صوب الشرق، ولهذا دعونا نفكر في الفرص الكامنة في التحولات الجيوبوليتيكية العالمية، بأكثر من النظر في المخاطر المحدقة بالعالم، وهنا يمكن للمرء التنبه إلى نسقين فكريين: أميركي لا يرى في الصين إلا عدواً، وبريطاني خبير بشؤون الحياة والإمبراطوريات القديمة، ويستشرف المآل الأوراسي بعد زمن «الناتو» لا محالة.
تحذر فيديريكا موغيريني، مفوضة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، في كلمة ألقتها في مدرسة «هارفارد» مؤخراً، من أن النظام العالمي الجديد لم يتحقق في حقيقة الأمر، وما أسوأ من ذلك هو أنه يوجد خطر حقيقي اليوم في أن تحل شريعة الغاب محل القانون الدولي... هل هي استفاقة متأخرة تجاه أوهام تصدير الليبرالية والديمقراطية الغناء للعالم؟
الأيام الماضية، تساءل دونالد ترمب عن سبعة تريليونات دولار أنفقتها أميركا شرق أوسطياً لتصدير نموذجها الليبرالي السياسي، والمحصلة لا شيء، مما يعني حتمية اكتشاف الوهم الكبير الذي تتقاطع فيه الأحلام الليبرالية والحقائق الدولية، كما يبينها جون ميرشايمر، عالم السياسة الأميركي البروفسور الأكاديمي الشهير، في مؤلفه الأخير.
2019 ومن جديد... عام البحث عن عولمة عادلة أو الاستعداد للطوفان.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة