بين تغريدة ترمب والحاجة إلى التوازن

بين تغريدة ترمب والحاجة إلى التوازن

الاثنين - 15 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 24 ديسمبر 2018 مـ رقم العدد [14636]
لم تكن المفاجأة في تغريدة الرئيس ترمب، التي أعلن فيها عن قرار الانسحاب من سوريا، بل جاءت من تفاجؤ المتابعين للسياسة الأميركية حيال الشرق الأوسط ومن أقرب مقربيه وأشد حلفائه وفاءً له وتعويلاً عليه بخطوته هذه!
في الواقع، كشفت التغريدة عن سياسة ثابتة لدى قاطني البيت الأبيض في العقد الأخير من أوباما إلى ترمب، تعتبر أنه لا مخارج سليمة لأميركا من بؤر الشرق الأوسط المتفجرة، وأن لا مصالح حيوية لها في سوريا ليدفع الجنود الأميركيون حياتهم من أجلها. لن ندخل في جدل حول وجود مصالح لأميركا في الشرق الأوسط من عدمه، لكن الأكيد أن اهتمام واشنطن تحول من المنطقة إلى أماكن أخرى تعتبرها أكثر أهمية لأمنها ومصالحها، وأن النتائج التي ترتبت وسوف تترتب على هذا التراجع الأميركي كارثية وتتجاوز الساحة السورية.
مضى على ولاية الرئيس الأميركي ما يقرب من السنتين، لم نشهد خلالها أي تغيير فعال في سياسة الإدارة تجاه الحرب في سوريا، ما مكّن النظام وحلفاءه الروس والإيرانيين من السيطرة على مناطق واسعة وتعزيز نفوذهم فيها. صحيح أن إدارة ترمب قدمت أدق وأصدق توصيف منذ أكثر من ربع قرن للأدوار الإيرانية المدمرة في المنطقة والعالم، إنما لم ترفقه بسياسة ملموسة تكبح الطموحات الإيرانية وتنعكس إيجاباً على مصالح واشنطن ومصالح حلفائها في الإقليم.
ما الذي جعل ترمب يقدم تنازلات غير مسبوقة وغير متوقعة في سوريا؟ لماذا هذا القرار الذي يناقض ما دأب مستشاروه ومبعوثوه على تأكيده حتى الملل، من أن أهداف أميركا في سوريا هي القضاء التام على «داعش» وأمثاله، وإخراج إيران منها، أي قطع الممر الممتد من طهران إلى ضاحية بيروت الجنوبية والبحر المتوسط، والعمل على احترام مرجعية جنيف والتخلي عن مرجعية آستانة؟ لماذا هذا القرار وأكراد تركيا قاب قوسين من تحقيق انتصار في هجين آخر معاقل «داعش»، وسط تهديد تركي بمهاجمتهم؟
قرار ترمب بالانسحاب من سوريا جاء ليؤكد الهواجس السائدة بأن الولايات المتحدة تتخلى عن حلفائها في المنطقة في منتصف الطريق، وأن الاستراتيجية الأميركية حيال إيران ليست متماسكة، وما قرار ترمب بتعليق الاتفاق النووي إلا من قبيل مخالفة مقاربة أوباما، وليس بهدف بناء رؤية تعزز السلام في الخليج وتوفر الاستقرار لدوله. وجاء أيضاً ليظهر التباين الكبير في واشنطن نفسها حول السياسة الخارجية والخيارات الاستراتيجية، كما دلت على ذلك استقالة وزير الدفاع جيمس ماتيس، ليسمح، كما قال للرئيس، باختيار بديل يتماهى مع طروحاته.
إن مراجعة سريعة لمسلسل الاستقالات و/ أو الإقالات خلال السنتين الماضيتين، التي وصلت إلى 30 (ويتوقع المزيد منها!)، تبين حجم الالتباس في الإدارة الأميركية والتجاذب الحاد بين الحزبين، كما ضمن الحزب الجمهوري نفسه وفقاً لما تدل عليه مواقف شيوخ رموز على غرار ليندسي غراهام وماركو روبيو والراحل جون ماكين.
إذا تركنا الداخل الأميركي جانباً وتطلعنا إلى الواقع على الأرض في سوريا، وفي الإقليم، يتراءى لنا المشهد التالي:
- في سوريا لا يمكن التسليم بصحة القول إنه تم القضاء على «داعش» وأمثاله، فعقدة محافظة إدلب قائمة وفلول «داعش» كما خلاياه النائمة لا تزال تتمتع بقسط من الفعالية. إيران فعّلت نشاطها في سوريا والإقليم برمته، وستعتبر قرار الانسحاب محواً لتحذيرات ترمب ولعقوباته التي بدأت بعضلات قوية ما لبثت أن وهنت جراء الإعفاءات المتعددة لتصدير النفط إلى عدد من الدول، وتنزع الخطوة الأميركية فتيل أي عمل عسكري محتمل ضد إيران. أكراد سوريا مذهولون ويبحثون عن أحضان تحميهم، لاقتناعهم بأنهم تُركوا لقمة سائغة لاجتياح تركي مرتقب، ما قد يحفزهم على التخلي عن محاربة «داعش» والدخول مجدداً تحت العباءة الأسدية، مع ما يستتبع ذلك من احتمال إعادة «داعش» تنظيم نفسه. هذا المناخ سيفتح الباب واسعاً أمام عودة العلاقات التركية مع نظام الأسد، مع احتمال أن يلعب هذا الأخير على وتر التنافس التركي - الإيراني لتعزيز موقعه. بالنسبة إلى روسيا، جاء ترحيبها الحذر بالقرار ليؤشر إلى أنها قد تكون في العمق غير مرتاحة إليه خوفاً من الغرق في المستنقع السوري، لا سيما مع تعثر المسار السياسي. أخيراً، مع هذا الانسحاب، تكاد واشنطن تعترف بأن القوة الوحيدة القادرة على تأمين الاستقرار في سوريا هي نظام الأسد وأنها راضية على التعايش معه. على هذه الخلفية، حط الرئيس السوداني عمر البشير بطائرة روسية في سوريا ليكسر عزلة الأسد العربية، بما قد يكون تمهيداً لإعلان عودة سوريا إلى الجامعة العربية قبل بضعة أشهر من قمة تونس العادية.
- في العراق، تمكنت إيران من إيصال الموالي لها محمد ريكان إلى رئاسة البرلمان، ولا تزال الميليشيات الموالية لطهران تقف عثرة أمام اكتمال تشكيل الحكومة العراقية برئاسة عادل عبد المهدي، بحيث لم يعد أمامه سوى تسمية زعيم ميليشيات «الحشد الشعبي» فالح الفياض وزيراً للداخلية، مع ما قد يعنيه ذلك من استنساخ لتجربة «الحرس الثوري» في العراق وإقامة سلطة أخرى موازية للدولة تدار من طهران.
- في لبنان حقق «حزب الله» انتصاره الأخير ليكتمل معه مثلث النفوذ الإيراني في المنطقة مع العراق وسوريا. ما شهدناه مؤخراً في عملية تشكيل الحكومة يثبت أن «حزب الله» وضع يده نهائياً على رئاسة الجهورية والبرلمان والحكومة، وهذا ما أعرب عنه الشيخ صادق النابلسي المقرب من «الحزب» عندما قال: «هناك توازنات جديدة في البلد وخارجه، وعلى الحريري أن يشكل الحكومة على أساسها. نحن اليوم في مرحلة غالب ومغلوب و(حزب الله) انتصر ...». في المقابل تأتي تصريحات نتنياهو الأخيرة حول «انسداد» أنفاق «حزب الله» من الجهة الإسرائيلية خشبة خلاص لـ«الحزب»، فضلاً عن أنها أعادت التذكير بدوره المقاوم الذي كاد هو نفسه ينساه.
- في اليمن، ها هم الحوثيون المدعومون من إيران يكتسبون اعترافاً بهم بمجرد جلوسهم إلى طاولة مفاوضات استوكهولم، مثبتين سلطة الأمر الواقع التي فرضوها في صنعاء وشمال اليمن.
مشهد قاتم لن يزيده سواداً سوى فقدان أميركا صدقيتها وهيبتها لدى حلفائها في المنطقة والعالم، كما هو حاصل اليوم نتيجة قرارات كقرار الانسحاب من سوريا.
إن أحد أهم أسباب النزاعات في الإقليم هو انتفاخ طموحات بعض القوى، والمطلوب اليوم هو إعادتها إلى أحجامها الطبيعية لتحقيق التوازن، ووحده تدخل الولايات المتحدة الفاعل والمدروس قادر على ذلك لتمهيد الطريق أمام مفاوضات متوازنة تؤدي إلى تسويات مستدامة لجميع الأزمات. إذا لم يكن القرار الأميركي بالانسحاب مناورة لخلط الأوراق، وحث كل القوى الإقليمية والدولية على إيجاد حل سياسي للأزمة السورية، فهو لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانتفاخ والتمدد الإيراني والروسي على حساب أميركا وما تمثله. الأيام وحدها كفيلة بحل لغز قرار ترمب وترمب نفسه!

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة