العراق بين احتلالين: نحو قراءة منصفة لتاريخه الحديث

العراق بين احتلالين: نحو قراءة منصفة لتاريخه الحديث

الجمعة - 1 شهر ربيع الأول 1440 هـ - 09 نوفمبر 2018 مـ رقم العدد [14591]
لؤي عبد الإله
كاتب عراقي مقيم في لندن
لم يكن العراق، الذي وصله البريطانيون مع بداية الحرب العالمية الأولى، يمت بصلة إلى ذلك البلد الذي كان ذات يوم أهم مركز حضاري في العالم حتى وقوع الغزو المغولي سنة 1258م، فالخراب الذي ألحقه هولاكو بنظام الري الذي يعود إلى زمن السومريين والآشوريين وغياب الدولة المركزية الموحدة ساعدا على تحول العراق تدريجياً من بلد زراعي يؤوي نحو 30 مليون نسمة إلى أرض يباب، بعد أن فقدت أكثر أجزائه الخصوبة وحلت محلها الأملاح لكي يصبح منطقة للكلأ تتنقل بين ثناياها القبائل البدوية في فترة رعيها. وتحت وطأة الغزوات المستمرة التي كانت تقوم بها القبائل القادمة من أواسط آسيا والأمراض والفيضانات انقرض أكثر فلاحي بلاد وادي الرافدين وحلت محلهم قبائل بدوية عربية لم تبدأ بالاستقرار إلا في القرن الثامن عشر.
وحين وصول البريطانيين إلى العراق لم يكن عدد سكانه يزيد على مليونين ونصف المليون نسمة، ومدنه لم تكن سوى واحات حضرية صغيرة وسط عالم محكوم بالعشائر وقيمه البدوية. كان المثقفون والضباط العراقيون الذين تعلموا في إسطنبول والمنتمون إلى مدن بغداد والموصل والبصرة قد وجدوا أن هناك هوية تجمعهم يحددها العيش في بلاد وادي الرافدين بعد أن بدأ التيار القومي التركي يتصاعد مع بروز حركة «تركيا الفتاة» في منتصف القرن التاسع عشر، ثم جاء الانقلاب العسكري الذي جرى ضد السلطان عبد الحميد سنة 1908 على يد لجنة الاتحاد والتقدم.
منذ لحظة تشكل الدولة العراقية حُدِّد الموقف من المعاهدة التي فرضتها بريطانيا على الحكم العراقي الملكي كمقياس وحيد لتقييم سياسيي ذلك العصر، فمقابل تصديقها من قبل البرلمان العراقي وعدت بريطانيا بعدم السماح للدولة التركية بأخذ الموصل. وإذا أمعنا اليوم بهذه الاتفاقية التي وقفت النخبة السياسية المعارضة ضدها والتي بفضل موقفها نُعتت بـ«الوطنية» سنكتشف أنها تضمن مصالح الطرفين (خصوصاً أن العراق ككيان سياسي واحد ما زال في طوره الجنيني الأول) فمن غير الممكن تصور أن يأتي البريطانيون ويقيموا دولة على خرائب ظلت تتراكم لسبعة قرون ونصف مقابل لا شيء. وفق الصيغة الأولى للمعاهدة كان الإشراف على شؤون الدفاع والسياسة الخارجية والمالية والأمن الداخلي بيد بريطانيا من خلال مستشاريها داخل الوزارات المعنية. وهذا سيتم حتى يصبح العراق دولة عضواً في عصبة الأمم. بالمقابل نُعت أولئك الذين كانوا حريصين على إبقاء الموصل جزءاً من العراق، وحريصين على بناء المجتمع المدني خطوة خطوة بـ«العملاء»، وهذه التسمية لن تنتهي حتى بانقلاب 14 يوليو (تموز) 1958 الذي فتح الطريق لـ«الوطنيين» العسكريين لتسلم السلطة. ثم البدء بطرد المدنيين من لعب أي دور سياسي فيها، مروراً بالدخول في صراع دموي بينهم، لينتهي بتصفية معظمهم على يد بعضهم البعض، وليفتح الطريق في نهاية المطاف لحزب عروبي صغير كي يصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري جرى في فبراير (شباط) 1963، وخلال فترة الحكم القصيرة الذي استمر تسعة أشهر كانت تصفية حزب وطني آخر ذي نزعة أممية، وأعني الحزب الشيوعي، هي الهم الأساسي للسلطة الجديدة التي تناست كل تلك الشعارات الديماغوجية التي بنت شعبيتها والمتمثلة بتحقيق الوحدة مع مصر وسوريا. لكن هذا الانقلاب العسكري لم يكن سوى تمرين قصير لانقلاب أكثر خطورة سيدخل العراق بعده في عدة حروب كارثية، داخلية وخارجية، وهذا هو انقلاب 17 تموز سنة 1968 الذي فتح الطريق لوصول الاستبداد الدموي إلى أقصى تمثلاته والذي جسده صدام حسين.
لم يأتِ وصول الأخير إلى الحكم عبر قفزة مفاجئة بل عبر انحراف تدريجي عن الهدف الأولي: بناء الشروط الأولية للمجتمع المدني العراقي التي انغمرت الدولة العراقية في تحقيقها بهذا الشكل أو ذاك خلال الفترة الأولى من حياتها والتي تقع بين عامي 1921 و1958. لكن المعارضة التي لاقتها على يد الفئات «الوطنية» منذ البدء ظلت تتصاعد وتتلون. ولم يتعلم أولئك القادة المعارضون أي شيء من تاريخ وجغرافيا منطقة العراق، فحقيقة وقوعه بين أكبر دولتين تحدانه شرقاً وشمالاً، حددت سمات تاريخه خلال القرون الستة الأخيرة. وإذا ذهبنا خطوة أبعد فإن العراق ظل منذ زمن السومريين تحت رحمة هاتين القوتين؛ فارس وأواسط آسيا. فلكي يضمن آشور بانيبال حدود إمبراطوريته كان عليه أن يحتل نصف العالم المتمدن.
لكن أولئك الذين ظل أبطال المعارضة «الوطنية» يعتبرونهم «عملاء لبريطانيا» و«رجعيين» كانوا هم وراء تحقيق استقلال العراق سنة 1932 ودخوله إلى عصبة الأمم كأول بلد عربي مستقل، وقبل ذلك تمكنت النخبة الحاكمة من التخلص من الانتداب البريطاني وتقليص «المعاهدة» إلى حدود وجود قاعدتين جويتين بريطانيتين ووجود معاهدة دفاعية بينهما.
لقد جاء انقلاب 14 يوليو 1958 الذي قامت به حركة الضباط الأحرار تقليداً لثورة 23 يوليو 1952 في مصر، لكن ما ميزه عن الأخير أنه فتح صندوق بندورا على مصراعيه لتخرج منه كل الشرور؛ إذ فتح الباب للضباط العراقيين كي يخوضوا مغامرة الانقلابات عاماً تلو آخر. لم يستغرب العراقيون من وقوع انقلاب 17 يوليو 1968 الذي فتح باب السلطة لصدام حسين، فالاقتتال بين الضباط الأحرار أدى إلى مقتل أبرز قيادييهم واحداً إثر الآخر وعلى أيدي بعضهم البعض، ولم يبق آنذاك سوى ضابط واحد مولع بسباق الخيول كآخر حاجز أمام الضباط البعثيين للوصول إلى السلطة، وهذا هو الزعيم سعيد صليبي آمر الحرس الجمهوري، لكن اضطراره للسفر إلى بريطانيا لإجراء عملية جراحية كان كافياً للمتآمرين أن يضربوا ضربتهم الأخيرة. وكان ذلك آخر انقلاب عسكري ناجح يقع في العراق، فصدام حسين أدخل مبدأ «العصابة» السرية المستندة إلى الاغتيالات كوسيلة للحكم. فهو كان يشرف على منظمة «حنين» للاغتيالات، وهذه جعلت قوة الضباط العسكريين ضئيلة قياساً بهذه المنظمة الجريئة المخفية عن الأنظار. ووفق مبادئ الاغتيال التي كانت تتبعها تلك المنظمة قبل وصوله إلى السلطة استطاع أن يصوغ طريقة حكمه عن طريق تصفية كل رفاق الطريق واحداً بعد الآخر ثم الولوج في مشروع انتحاري يحتاج العراق إلى عشرات الأعوام كي يخرج من آثاره المهولة.
ما يحتاج إليه العراق اليوم لصياغة إطار كهذا هو الاستفادة من التاريخ؛ إذ حاولت الأنظمة ضمن كل حقبة حذف ما سبقها. فبعد تشكيل الدولة العراقية الأولى سنة 1921 حاول ساطع الحصري مدير التعليم والمسؤول عن وضع المناهج مسح كل ما هو إيجابي في الفترة العثمانية، محولاً إياها إلى عصر مظلم، ناسياً آثار التيار الإصلاحي العثماني وما عكسه بشكل مباشر من خلال ولاية مدحت باشا للعراق التي بفضلها وُضعت الأسس الأولى لنهوض الكيان العراقي. كذلك هي الحال بعد انقلاب 14 يوليو حينما حُذفت فترة تشكل هذا الجسم الجنيني للدولة العراقية وفق إطار ليبرالي تحت إطلاق اسم إرهابي حقاً عليها: «العهد البائد»، وهكذا أصبحت «محكمة الشعب» منبراً تساق إليه الوجوه البارزة من ذلك العصر كي تكون أضحوكة للمتفرجين من دون أن يؤخذ بنظر الاعتبار ما حققته في بناء البيت العراقي وما كانت تحمله من خبرات ومعرفة كان الأجدر بالأجيال اللاحقة أن تستفيد منها. وهكذا صدر، على سبيل المثال، حكم بالإعدام ضد إنسان رؤيوي وتربوي كبير مثل فاضل الجمالي بعد إدخاله في سيرك فاضل المهداوي وشركائه. كذلك هي الحال بعد انقلاب 8 فبراير 1963 الذي أزاح كل ما قدمه عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء الأسبق الذي اغتيل على يد الانقلابيين الجدد. واستمرت الحالة حتى وصلنا اليوم إلى ذاكرة ممسوحة للأجيال الشابة العراقية لا تقف فوق أي تجربة تاريخية مهضومة تستطيع أن تحدد وفقها مسار المستقبل. العراقيون قبل غيرهم بحاجة إلى معرفة تاريخهم والبدء بتقييم أبطاله لغرض التعلم والاستنارة قبل أن يكون هدفاً للإساءة وتسجيل النقاط... نحن بحاجة إلى التحاور مع عالم الموتى، من أجل الوصول إلى إجماع يعيد من جديد مبدأ «العراق أولاً». ولنترك بعد ذلك الآخرين يقولون ما يشاءون.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة