قرية صغيرة أم سوق سوداء؟!

قرية صغيرة أم سوق سوداء؟!

الأحد - 17 صفر 1440 هـ - 28 أكتوبر 2018 مـ رقم العدد [14579]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية
كيف يمكن توصيف العالم اليوم؟ وهل هناك حاجة وضرورة إلى توصيفه؟ وإلى أي مدى يمكن القنوع بتوصيف العالم باعتبار أنه قد أضحى قرية صغيرة دون معاينة ماذا يحدث في الموصوفة قرية صغيرة؟
ونحن في غمرة الأحداث والتغييرات العنيفة والصاخبة وشلال الأخبار الصادمة، يمكن من فرط اللخبطة والغموض المركب أن نأخذ نفساً ونتجاهل قليلاً الحراك المجنون للأحداث ونتساءل: أين نحن اليوم؟ وماذا يحدث في كوكبنا الأزرق الذي يغطي الماء قرابة ثلاثة أرباعه؟
في الحقيقة، السبب الرئيسي لهذه الأسئلة والتساؤلات هو الشعور المستبطن الظاهر بوجود حالة من الضياع في تحديد الإطار الجديد للعالم اليوم.
الواضح أننا انتقلنا بشكل سري من طور القرية الصغيرة إلى إطار السوق الصغيرة، وهو انتقال غير معلن عنه لأن السوق المقصودة تختلف عن السوق المتعارف عليها في ثقافات العالم. أو لنقل بشيء من الاحتراز، إننا نعيش اليوم في قرية صغيرة جداً، لكنّها قرية على شاكلة السوق وتحكمها مبادئ السوق السوداء.
لنوضح الفكرة أكثر: طبعاً، ليس المقصود هنا الإساءة للرأسمالية وأربابها؛ فهي كنظام اقتصادي لها فوائد ولها أيضاً آثار سيئة وضحايا في الحياة الاقتصادية للبشرية، لكن ما يهمنا هو أن الرأسمالية أضحت قسرياً طريقة في الحياة وطريقة في ممارسة السياسة. بمعنى آخر، فإن الخطر يكمن في سيطرة الثقافة الرأسمالية على روح العالم وسياسات الدول. كما يتمثل الخطر الحقيقي في تحول كل شيء إلى سلعة في عالم من المفروض أن أغلى شيء فيه هو الإنسان. فنحن نعيش على وقع التسليع وتقديس الربح المادي. لنراقب بعين موضوعية كيف تُدار المفاوضات اليوم في العالم، وحينها سندرك الدور المحدّد للقوة المادية، وكيف أن سير المفاوضات واتجاهاتها يُضبط طبقاً لموازين القوة المادية. بل إن الضغط الذي يمارس اليوم على نطاق ضيق وواسع وإقليمي ودولي هو ضغط المال والأسواق والسلع.
لذلك؛ فإن شعارات حقوق الإنسان والحريّات تظهر وتختفي حسب المصالح المادية. وهو ما يعني أنه لا قيمة محفوظة لذاتها، ولا أهمية مبدئية للحقوق والحريات: فأنت تتمتع بحقوقك إذا لم تُمس المصلحة المادية، وتُشهر ضدك كل الأسلحة إذا ما كان الصراع حول المواقع وتوزيع الثروة والقوة في العالم. من هنا نفهم وقوف دول مع دول أخرى والعكس أيضاً. ونفهم كيف تصبح الأحداث الصغيرة ضخمة بفعل التضخيم المقصود، وكيف تصبح الأحداث الكبرى نسياً منسياً.
لنلاحظ ما تخضع له ما يسمى المساعدات الدولية من مساومات وضغوط ضد البلدان التي تتلقى المساعدات وتحتاج إليها. هي مساعدات مشروطة وبمقابل، وتحت التهديد بسحبها لأدنى سبب.
في هذا الإطار الجديد كثر الحديث عن الصفقات: كل شيء أصبح صفقة. تتغير العلاقات بين الدول وبين الدول والجماعات ذات التأثير الدولي بناءً على صفقات تُدار بشكل مكيافيللي أغلب الظن أن مكيافيللي نفسه سيتبرأ منه إن كان بيننا اليوم.
عندما تبنى العالم صورة العالم - القرية كان ذلك نتاج ما قامت به وسائل الاتصال من قهر للجغرافيا والمسافات، إلى درجة أن العالم أصبح قريباً ومن متناول الجميع خبراً وحادثة وسفراً وعملاً وتواصلاً فريداً من نوعه. ذلك أن وسائل الاتصال الجماهيرية حولت العالم فعلاً إلى قرية، وكذلك وسائل النقل والاختراعات المذهلة في هذا المجال. فالعالم بشساعته وتشعبه وغربته صار قرية بما تعنيه القرية من قرب وحميمية وسهولة في التواصل. ولعل الثورة في مجال الاتصال بصفة عامة ووسائل تكنولوجيا الاتصال بشكل خاص، إنما هي نتاج الثورة العلمية، التي بدأت في التعبير عن مظاهرها مع الثورة الصناعية أي أن العالم – القرية هو نتاج ثمرة العقل العلمي البشري وما قدمه العلماء التجربيون للبشرية من اختراعات خارقة في مجالي التنقل والتواصل، وفي توفير الأطر المادية للانفتاح والتلاقح والحوار بين سكان الكرة الأرضية.
لكن الأمر ليس وردياً كما قد يظهر من صورة العالم - القرية. فهذه الأخيرة تحولت اليوم إلى سوق للصفقات الدولية وللضغط، فأصبحنا نتحدث عن انتداب الشباب في التنظيمات الإرهابية، وكما نعلم كلمة «انتداب» تنتمي إلى معجم العمل. ويتنافس المحللون الكبار في الصحف والقنوات العالمية للكشف عن صفقات بين الدول في قضايا الساعة والأزمات العاصفة ببؤر التوتر. وهيمن المعجم الرأسمالي ومعانيه على الثقافة والفن والفكر والمجتمع، ولقد انتبه أعلام مدرسة فرانكفورت مبكراً إلى ظاهرة تسليع الثقافة شأنها في ذلك شأن أي سلعة أخرى، وما يقوم به غالبية المستثمرين في الثقافة والفن والإعلام من تسويق لمعاني ورموز الأكثر قوة وهيمنة في المجتمعات. طبعاً، لا يفوتنا أن أعلام مدرسة فرانكفورت المنتمية إلى المدرسة النقدية ككل إنما مدينون في روافدهم الفكرية للماركسية وتفسيرها المادي للظواهر.
نحن في عالم - السوق السوداء، حيث الجمال والذكاء والموهبة سلعة لمن يقدم العرض الأغلى، وحتى مؤسسة الزواج أصبح التعامل معها بوصفها شركة لا إطاراً للمودة والرحمة.
السؤال: أي مستقبل لعالم السوق ولثقافة السلعة والربح أولا؟
كل ما يمكن قوله، إنّ هذا العالم لا يناسب الإنسان ولا الشعوب؛ بدليل أنها ثقافة أهدرت من الدم ما لم يهدر في العصور السابقة، التي لم تزعم دفاعاً عن الحريات وعن حقوق الإنسان كما يحدث في العصر الراهن اليوم.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة