السعودية وفضيلة الصدع بالحقيقة

السعودية وفضيلة الصدع بالحقيقة

الاثنين - 11 صفر 1440 هـ - 22 أكتوبر 2018 مـ رقم العدد [14573]
إميل أمين
- كاتب مصري
أثبتت التجربة الصعبة التي مرت بها المملكة العربية السعودية في الأيام القليلة الماضية، أنه لا يزال هناك رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، رجال لم يقبلوا غير قول الحقيقة والتجرؤ على إعلانها مهما كانت مُرة أو أليمة، فالحق عندهم أحق أن يُتبَع، والحق في المبتدأ والخبر حبيب الله.
عدة ملاحظات ربما تتوجب مراجعتها على هامش أزمة جمال خاشقجي رحمه الله، ربما في مقدمها ملامح الدولة السعودية القوية والأبية وسيادتها التي لا تشارع أو تنازع من حولها، ثم قدرتها الكبيرة والواثقة على التعاطي مع الخطوب بحكمة وحنكة، ومن دون الدخول في فخ المعارك التي تُنصب لها وتستهدف كيانها من القاصي والداني، وقد كان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز كبيراً جداً كالعهد به في مواجهة الملمّات والصدق في القول والفعل، الأمر الذي أكسب المملكة موثوقية كبيرة في أعين العالم.
جاءت قرارات الملك سلمان لتؤكد إيمان السعودية حكومةً وشعباً بأن العدل أساس الملك، وأن مواطني المملكة جميعهم على حدٍّ سواء كأسنان المشط، وأن إزهاق روح بريئة أمر غير مقبول، ولا بد من مقابلته بكل الحزم والحسم.
أكسب التصرف السعودي الواضح احتراماً كبيراً للمملكة في العالم كله وبنوع خاص في الداخل الأميركي، فبعد الثورة الهائجة المائجة قبل إعلان الحقيقة لا سيما من قِبل بعض أعضاء الكونغرس، أصبح الحديث الآن يدور عن حتمية حدوث شفافية في المحاكمات القادمة، ما يعني في كل الأحوال أن العدالة في المملكة قد استبقت الجميع، وباتت رقماً صعباً أمام الكائدين للسعودية والكارهين على حد سواء.
بنوع خاص يمكن القول: إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أظهر شكلاً رصيناً من التعاطي مع الأمور يليق برئيس دولة، عندما تحدث عن ثقته بإعلان الاتهام بشكل رسمي من قِبل المملكة، وهو من المواقف التي نرى فيها ترمب منضبطاً إلى حدٍّ بعيد، وعقلانياً إلى حدٍّ أبعد رغم تسونامي الهجوم الذي قابله طوال ثمانية عشر يوماً.
أظهرت الأزمة الأخيرة أن هناك مَن يعرفون حق المملكة وقدرها، وأين لهم وكيف ينبغي عليهم التعاطي معها، وفي هدأة من الرؤوس الساخنة تساءل نفر من عقلاء الداخل الأميركي: هل يُعقل أن نقوم على التراجع عما تم بناؤه على ركائز تلك العلاقة؟
وبلغة أكثر براغماتية، أي اللهجة التي يجيدها المجتمع الأميركي، تساءل البعض عن أي تحالف عربي أميركي يمكن أن ينشأ اليوم أو غداً من دون أن تكون المملكة العربية السعودية ركيزة أساسية فيه، وفاعلاً وضامناً أصيلاً يتيح المزيد من الاستقرار في إقليم مضطرب.
الأسئلة عند العقلاء في الداخل الأميركي لا تتوقف ومنها: هل يمكن أن ينشأ حلف لمواجهة الإرهاب في الشرق الأوسط من دون السعودية قِبلة العالم الإسلامي؟ وإذا كانت قادمات الأيام تحمل المواجهة الأميركية الإيرانية القادمة ولا شك، فإن على واشنطن حقاً أن تكون إلى جانب أهم حلفائها وهي المملكة العربية السعودية رمانة الميزان في مواجهة الإرهاب الإيراني ومشروعات الملالي التي تقضّ مضاجع العم سام؟
يحلم الرئيس ترمب بأن يكون الرجل الذي ينجز اتفاقية سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين ليُكتب اسمه في سجل القياصرة الأميركيين، فهل يمكن أن يحدث ذلك بغير الدعم الأدبي والأخلاقي من قِبل المملكة لمثل تلك الاتفاقية، وحتى قبل أن نتحدث عن الدعم المالي الذي ما فتئت المملكة تقدمه للفلسطينيين في حلهم وترحالهم؟
أظهرت الأزمة الأخيرة حقائق عديدة من بينها ما هو إيجابي وخلاق، ومنها ما هو سلبي وخطير يتوجب التوقف عنده، والإحاطة بالخطر الكامن في جوف كراهيته.
من الإيجابيات اللُّحمة والتعاضد التي تبينت واضحة إلى أبعد حدٍّ ومدٍّ من الإخوة والأشقاء الحقيقيين الذين وقفوا خلف المملكة ولا يزالون على قلب رجل واحد من مصر إلى الإمارات، ومن البحرين إلى عمان، وجميعهم أدركوا بعين المحقق والمدقق أن السعودية عمود رئيس من أعمدة الخيمة العربية التي لا بد أن يزداد قوة في وجه الطامعين والكائدين.
بالقدر نفسه بدا واضحاً أن المملكة أمام دول وأفراد وجماعات تحمل لها الكثير من الشر المجاني، من قطر بإعلامها الارتزاقي الكيدي، ومن الإخوان المسلمين إلى الملالي الإيرانيين، وقد وضحت شهوات قلوبهم الرديئة طوال أيام الأزمة، من خلال الإصرار على إلحاق أكبر أذى بالمملكة ولو أن هذا ليس بمقدورهم إنجازه.
الجزئية السابقة تقودنا ولا شك إلى مسألة التعاطي الإعلامي مع الأزمة، وفي تقدير صاحب هذه السطور أنه مضى في اتجاهين: الأول من قِبل الكارهين اليمينيين، والثاني عبر جماعة الكائدين السياسيين والمناوئين للمملكة.
الجماعة الأولى تمثلت بنوع خاص في الإعلام اليميني الأميركي الممسوح تقليدياً بمسحة دوغمائية لا تخلو من حزازات عقائدية تجاه الإسلام والمسلمين، وهم تيار تقوى شوكته من جديد في الداخل الأميركي، ويستغل هذا التيار انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في محاولة لقلب الطاولة على الرئيس الجمهوري، ومحاولة الاختصام من حظوظ بقائه ممسكاً بغالبية الكونغرس في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
بينما مجموعة الكائدين فهي لا تغيب عن الأعين وأشرنا إليها سلفاً، وهي التي لم توفر وسيلة لإظهار عداءً راسخاً للسعودية، التي أفشلت مخططات الربيع العربي المكذوب، ووقفت ضد الأصوليين المنحولين، وكانت بالمرصاد لقطر التي أصبحت برعايتها للإرهاب خنجراً في الخاصرة العربية، وقد أنفقت هذه الدويلة الملايين من الدولارات لخلق جماعات ضغط في أوروبا وأميركا، وفاتهم أن الولاءات لا تُشترى.
ربما لا يكون الوقت ملائماً للحديث عن إفراز مهم على الصعيد الجيوستراتيجي الدولي يتعلق بتغير الأوزان النسبية للقوى العالمية، وكيف أن بعضها لم يعد سيداً من دون منازع أو مشارع، وعلى الجميع أن يفهم ذلك، وهي قضية لنا معها عودة.
السؤال الأهم: هل ستتوقف الأزمة عند هذا الحد؟
بالقطع لا، وهذا ما يستدعي التنادي إلى مجموعة إدارة أزمة على أعلى مستوى لا من الأشقاء السعوديين فقط، بل من عموم العالم العربي، سيما وأن هناك رائحة كريهة تفوح من وراء الكواليس تحمل إرهاصات دورة ثانية من دورات اللااستقرار تحت تسميات مزيفة عديدة، فالربيع المأزوم الذي خرج من الأبواب مدحوراً، ربما يسعى للعودة شتاءً من النوافذ.
الخلاصة: التعبئة والتوعية فرض عين اليوم لا نافلة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة