دعاة الكراهية

دعاة الكراهية

الأحد - 10 صفر 1440 هـ - 21 أكتوبر 2018 مـ رقم العدد [14572]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.
الإفراج عن أنجم شاوذري، المعروف بـ«داعي الكراهية»، يثير الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي والصحافي المقروء والمرئي والمسموع. جاء الإفراج عنه بشروط بعد قضاء أقل من نصف المدة.
الإفراج بعد نصف المدة أمر معتاد في معظم بلدان العالم.
فالسجن «تأديب وتهذيب وإصلاح»، والإفراج عن مسجون، بشرط حسن السير والسلوك، يمنحه فرصة الاندماج في المجتمع مواطناً صالحاً يفيد الوطن. بقية نصف المدة يكون تحت مراقبة أخصائيين من «مصلحة المراقبة القومية» التابعة لوزارة العدل لمتابعة مدى تقدم السجين السابق نحو الاندماج في المجتمع.
الناس يتساءلون: هل تنطبق هذه الشروط على شاوذري؟
في محاكمته عام 2016، وجد شاوذري مذنباً «بدفع أشخاص للالتحاق بمنظمات إرهابية» وحكم بحبسه خمس سنوات ونصف السنة تحت قانون الإرهاب لعام 2000.
اقتنع المحلفون بارتكابه الجريمة متعمداً بالأدلة التي لا تدع مجالاً للشك. والقضاء يحكم فقط بالإدانة في حالة وجود أدلة لا تدع مجالاً للشك. والشك يفسر «لصالح المتهم». و«الإثبات» بالأدلة يقع على عاتق الاتهام، وليس من مهمة الدفاع إثبات البراءة كما الحال في كثير من البلدان التي نضع، نحن الصحافيين، علامات التعجب والاستفهام عندما نذكر فيها كلمات كالقضاء وحكم القانون، ويكفي لمحامي الدفاع التشكيك في بعض الأدلة، لا كلها، ويخرج المتهم براءة.
وجدت المحكمة شاوذري مسؤولاً عن دفع المئات للذهاب إلى سوريا والعراق «للقتال في سبيل الله» حسب ادعائه في خطبه ومراسلاته على الإنترنت.
واقتنع المحلفون (ومن ضمنهم مسلمون) بمسؤوليته حسب تفسير القانون، وبتضليله الناس (تهمة أخرى)، فلا علاقة لتفسير دعوته بأي عمل «في سبيل الله»، وإنما كانت للالتحاق بالجماعة الإرهابية التي تسمي نفسها «الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)». وقتها اتهم بـ«الجبن» لأنه لم يذهب بنفسه للقتال، وإنما غرر بأولاد الناس الذين انتهوا موتى، أو سجناء أو مجهولي المصير.
بند إقناع أفراد بالالتحاق بتنظيمات إرهابية تحت قانون عام 2000 بالتحديد يوصف «قضاء نصف العقوبة في حالة حسن السير والسلوك».
شاوذري لا عمل له ويتقاضى إعانة البطالة (معظم الإسلاميين والإخوان المسلمون هنا يعتبرون تقاضي الإعانات الاجتماعية «بديل جزية» من الحكومة لتبرير ابتزازهم لأموال دافع الضرائب دون القيام بعمل يفيد المجتمع أو تقاضي أجر يدفعون منه ضرائب)، وتحت لوائح وزارة العمل والمعاشات، دفعت الدولة (وزارة العدل) أتعاب محامي الدفاع عن شاوذري التي وصلت إلى 141 ألف جنيه استرليني.
وبدلاً من خروجه عام 2021 خرج شاوذري أول من أمس من السجن بشروط مراقبته عبر الطوق الإلكتروني حول ساقه، لمنع سفره للخارج، أو التحرك خارج «الطريق 25» (المحيط الدائري للندن الكبرى). ويستخدم الإنترنت فقط بإذن خاص وتسجيل المواقع التي يزورها حيث يراجعها أخصائي مصلحة المراقبة من وزارة العدل. ويمنع من إلقاء الخطب في مظاهرات وتجمعات أو إعادة تكوين جماعته (المهاجرون) المحظورة قانونياً.
متابعة الإجراءات تكلف الخزانة مليونين و600 ألف دولار في العام تتلهف إليها مؤسسات رعاية المسنين والمرضى والمعوقين! ويا ليت شاوذري ذهب «للجهاد في سبيل الله» بعيداً عنا!
كثيرون مستاؤون من تحمل دافع الضرائب مصاريف شخص عاطل لا يعمل في خدمة المجتمع، بل يقضي معظم وقته لنشر الكراهية.
السير مارك رولي، رئيس قلم مكافحة الإرهاب السابق في حكمدارية بوليس العاصمة، مستاء من إعطاء شاوذري حجماً وأهمية أكثر مما يستحق، ويحمل الصحافة والصحافيين جانباً من المسؤولية التي جعلت من شاوذري وأمثاله «ممثلين للإسلام المعاصر بالباطل» كما يقول.
اتهام رولي للصحافة بمساعدة شاوذري بشكل غير مباشر يستند إلى بحث أجراه مكتبه.
معظم الشباب الذين يتبعون إرشادات أمثال شاوذري وجدوها عبر الإنترنت ووسائل التواصل الصحافية المباشرة (إذاعة وتلفزيون).
يقول رولي: «ضع سؤال (أهم متحدث باسم الإسلام المعاصر على محركات البحث مثل «غوغل»)؟ سيظهر أنجم شاوذري في طليعتهم». وعند وضع السؤال على خدمات متخصصة مثل «يوتيوب» يظهر اسم شاوذري وفيديوهات خطبه ضمن أول 4 أسماء.
وعندما يضغط الباحث على الرابط يتجه إلى مواقع تدعم شاوذري وروابط مواقع لجماعات كالإخوان المسلمين والقاعدة و«داعش».
المعادلات واللوغاريتمات التي تعمل بها برامج البحث لا تفكر كالعقل الإنساني، وإنما تحسب ما يعرف بـ«traffic volume» للموقع، أي الزوار.
الإعلانات أهم مصدر لدخل مؤسسات كـ«غوغل» تريد التواصل مع الأكثرية، ولذا تفضل البرامج طرقاً فرعية أو تحتية توجه فيها الباحث إلى اسم يتكرر في الوسائل المباشرة مثل التلفزيون كـ«أنجم شاوذري» وتفهرسه موضوعاً مرتبطاً بالإسلام. وتحت الإسلام يظهر أيضاً موضوع فرعي «متحدثون (أو خبراء) في الإسلام»، ويتكرر عدد الزائرين. ويصبح بضعة زاعقين، بلا مؤهلات أو دراسات، الواجهة التي تمثل ما يفوق مليوني مسلم في البلاد. وضع لا يقبله إنسان عاقل، لكنه من صنع برامج وكومبيوترات تعمل بأحدث ما وصل إليه العقل العلمي بمعادلات الرياضيات اللوغاريتمية.
ومثل أي صحافي جدير بمهنتنا، لا يمكننا أن نقبل بالرقابة على حرية التعبير، لكن من واجبنا كصحافيين أن نفرق بين التغطية الخبرية، وأن نستغل البعض كمنبر بروباغندا لهم.
وكانت السيدة الحديدية مارغريت ثاتشر تنصح الصحافيين «بحرمان الإرهابيين من أكسجين الدعاية». فهناك فارق بين تغطية حدث، وتحليل جوانبه وأسباب وقوعه من جانب، ومن جانب آخر إعطاء الميكروفون إلى، وتوجيه عدسة الكاميرا نحو داعية يبث الكراهية لمجرد أنه أدلى بتصريح مثير للجدل.
في قرية ووتن باسيت كان الأهالي يصطفون حداداً، ويضعون الورود على نعوش الجنود العائدين من أفغانستان في مطار لينهام القريب.
أعلن شاوذري عام 2009 أنه سيسير مظاهرة في القرية تحمل 433 نعشاً، عدد الجنود القتلى في أفغانستان. وبدلاً من الانتظار لسير المظاهرة المزعومة لاكتشاف الحجم الحقيقي لأتباع شاوذري (يحتاج إلى 1732 لحمل النعوش)، إذا بـ«بي بي سي» توفر له فرصة لقاء في أهم برنامج إخباري صباحي يشاهده ويسمعه الملايين.
وبعد أن حقق شاوذري غرضه الدعائي، أعلن قراره بإلغاء المسيرة «حرصاً على مشاعر 433 أسرة مات أبناؤها في أفغانستان». حق يراد به باطل، لأن هذا الضلالي لا يتبعه حتى خمس العدد المطلوب لحمل النعوش، في مظاهراته التي تتميز بالصياح والمشاجرات.
أصاب شاوذري عصفورين بحجر... بتغطية حدث لم يحدث بعد، وما كان سيحدث أصلاً.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة