عادل درويش
صحافي معتمد في مجلس العموم البريطاني، وخبرة 55 عاماً في صحف «فليت ستريت». وكمراسل غطى أزمات وحروب الشرق الأوسط وأفريقيا. مؤرخ نشرت له ستة كتب بالإنجليزية، وترجمت للغات أخرى، عن حربي الخليج، و«حروب المياه»؛ أحدثها «الإسكندرية ، وداعاً: 1939-1960».
TT

ملكة الرقص السياسي

«الليدي ثاتشر وتشرشل يتقلبان استياء في قبريهما»، «ماذا حدث لحزب بيل وديزرائيلي وتشرشل؟»، «رغم تحركها كروبوت، فقد رقصت اقتراباً من الناس».. نماذج من تعليقات الصحافيين صباح الخميس، بجانب سخرية رسامي الكاريكاتير من رئيسة الوزراء تيريزا ماي.
ولا أذكر مثلاً مقارباً للرقص، كسبب في فرد مثل هذه المساحة الصحافية وساعات البث لشخصية سياسية، منذ نقل صحيفة «الأخبار» المصرية، في فبراير (شباط) 1953، عن فليت ستريت تعبير «الصاغ الراقص» (استبدلت بـ«صاغ»، الرتبة العسكرية المصرية، «رائد» بعد التعريب في 1958، وكانت الصحافة البريطانية قد وصفته بـ«الميجور الراقص» The Dancing Major)، والمقصود الصاغ صلاح سالم، من مجموعة «الضباط الأحرار»، بزعامة اللواء محمد نجيب، في يوليو (تموز) 1952، الذي أرسل إلى الخرطوم ليتولي «ملف السودان». وكانت البلاد لا تزال رسمياً مملكة مصر والسودان (ودستورياً، أحمد فؤاد الثاني ملك مصر والسودان، بعد أن تنازل الراحل الملك فاروق له عن العرش في يوليو 1952، والملكية ألغيت في يونيو/ حزيران 1953).
سمته الصحافة «الميجور الراقص»، بعد تصويره مرتدياً فقط جلد الحيوان في رقصة الحرب مع مقاتلي قبائل الدنكا في المديرية الاستوائية (جمهورية جنوب السودان اليوم)، والتصق التعبير به حتى في مرثياته التي نشرت عند وفاته في 1962.
والرقص الجماعي جزء من النسيج الاجتماعي الثقافي لقبائل أفريقيا؛ الرقص تاريخياً تعبير جماعي، سواء في الأفراح أو الأحزان، عند الخطر، أو عند الصيد، أو عند جمع المحاصيل، أو عند الاستعداد للقتال، في المظاهرات السياسية، تأييداً أو احتجاجاً، أو حفاوة عند استقبال زائر مهم.
ومثل الصاغ الراقص، تعود حكاية الزعيمة البريطانية مع الرقص إلى جولتها الأفريقية هذا الصيف؛ رقصت مع الشباب والفتيات في أكثر من بلد. ابنة القس التي نشأت في بيئة محافظة، وأكبر تمرد ارتكبته في شبابها كان العَدْو في حقل قمح، لا تجيد الرقص الإيقاعي أو على أنغام «الديسكو» كبنات جيلها.
لم تكن خطواتها مضحكة فحسب، بل قارنها المعلقون الصحافيون بروبوت تحتاج مفاصله إلى التشحيم؛ هدية لرسامي الكاريكاتير والمنولوجيستات، والساسة المنافسين.
في أول مناظرة أسبوعية في مجلس العموم بعد عودتها من أفريقيا، قال زعيم المعارضة العمالية: «لن تستطيع أن ترقص حول القضية»؛ نكتة تصعب ترجمتها للذوق العربي، لكنه لعب بالألفاظ على قول إنجليزي لـ«الرقص هرباً من مشكلة يستعصي حلها».
وتكرر استخدام تشبيهات واستعارات الرقص للسخرية من رئيسة الوزراء في مجلس العموم والصحافة، فلم يكن أمامها إلا القبول بالرقص كالروبوت كجزء من شخصيتها السياسية «كاللصقة الأميركاني» (نوع من الضمادات اللاصقة لعلاج آلام روماتيزم المفاصل، استورد من أميركا في الخمسينات، وكان يصعب نزع اللصقة حتى بعد أسابيع، فأصبح تعبيراً صحافياً)، مثلما التصق تعبير «أقنعتهم بشنطة اليد» بالليدي ثاتشر.
في الثقافة الشعبية الإنجليزية، عندما تغضب العمة العجوز من شخص، تضربه على رأسه بحقيبة يدها لتخضعه، وقد قبلت السيدة ثاتشر التعبير، وحولته لنكتة في صالحها.
وتهمة «ثقل الدم»، أو افتقار روح الدعابة، هي أكثر ما يقلق السياسي البريطاني لأنها تنقص من شعبيته، فالسخرية من الآخرين، وسخرية الآخرين منك، في الجينات الثقافية للشخصية الإنجليزية.
ويقول شكسبير، في مسرحية «تاجر البندقية»: «رجل تخلو نفسه من الموسيقي غير أهل للثقة، لأن روحه تكون جامدة كظلام الليل» (والمقصود بالموسيقي هنا الطرب بكل أنواعه، بما فيه النكتة).
وكثيراً ما يسوء فهم الأجنبي الزائر للإنجليزي الذي يتعامل ببرود وأدب جم مع شخص غريب، خصوصاً إذا لم يحبه. وبالعكس، فإن توجيه الإهانات الساخرة (التي يعتبرها الأجانب قلة أدب) لشخص يعني أن الإنجليزي أحبه، واعتبره «واحداً منا».
ويستغرب ضيف أجنبي من «الإهانات» التي يوجهها أبو العروسة للعريس، في كلمته في حفل الزواج الإنجليزي، والمقصود أن العريس أصبح الآن من أفراد العائلة بإهانته حباً.
الزعيمة البريطانية ليست استثناء، فهي ترتعد رعباً من تهمة «ثقل الدم»، خصوصاً أنها اتهمت، قبل سخرية الرقص، بجفاف مزاجها من روح الدعابة. ونصحها خبراء العلاقات العامة باستغلال نقاط ضعفها، وتحويلها إلى سلاح هجومي، والسخرية التي تلقتها في الأيام التي سبقت خطابها المرتقب لمؤتمر حزب المحافظين السنوي إلى مركز قوة تنطلق منه قذائف سخريتها المضادة.
خطابها في العام الماضي، في مؤتمر 2017، كان كارثياً، فقد انتابتها نوبة مستمرة من السعال، باءت محاولتها بكتمها أو تحويلها إلى نكتة بالفشل، بينما بدأت حروف الشعارات المكتوبة على اللوحة المغناطيسية وراءها في التساقط، لتتحول إلى كلمات سلبية، ثم ظهر مهرج تسلل إلى القاعة وسلمها استمارة 45 (استمارة إنهاء الخدمة)، بينما كان الخطاب يبث مباشرة على الهواء.
دخلت ماي المنصة ترقص على أنغام بأغنية «ملكة الرقص» لفرقة «آبا» السويدية، وبدأت بقولها: «فلتسامحوني إذا أصابني السعال لقلة النوم؛ قضيت الليل بطوله أثبت حروف الشعارات ورائي بالسوبر غلو»؛ ضجت القاعة بالضحك، ووقف الحضور يصفقون: ثلاث نكات في عبارة واحدة. اجتازت الامتحان، يوماً واحداً بعد خطاب بليغ ممتع ألقاه وزير الخارجية السابق ومنافسها بوريس جونسون، طارحاً سياسات بديلة أمام 1500 شخص.
بوريس تعتمد شعبيته على النكتة وروح الدعابة.
ثاتشر التي تحاول ماي تقليدها كانت سريعة البديهة، عندما سألها الصحافيون مرة كيف ستقنع الوزراء المعارضين، ربتت على حقيبة يدها الضخمة، إجابة للسؤال.
وزير المالية الأشهر في الحكومات العمالية، دينيس هيلي، رغم جديته وشكله الصارم، كان سريع النكتة؛ وصف الراحل توني بن بأنه «يتناقص نضجاً بمرور الزمن». وفي مناظرة برلمانية عندما كان في المعارضة، وصف سياسة وزير الخارجية وقتها، جيفري هاو، بأنها أوقعته فريسة ممزقة لمخالب نعجة ميتة!
يوم الأربعاء، نجحت تيريزا ماي في اجتياز مؤتمر توقع المراقبون أن يكون نهاية حياتها السياسية (بتحدي جونسون لها على الزعامة)، بإلقاء نكات على نفسها على أنغام فرقة «آبا». والوجه الآخر لعملة خفة الدم أن تحل صورة «ملكة الرقص» محل سجلها السياسي في صفحات كتب التاريخ، مثلما أصبحت صورة «الصاغ الراقص» أهم ما يذكره كل من يكتب دراسة عن سياسة اتبعها، وانتهت بانشطار أمة وادي النيل إلى بلدين؛ أصبحا اليوم ثلاثة.