د. عبد الله الردادي
يحمل الردادي شهادة الدكتوراه في الإدارة المالية من بريطانيا، كاتب أسبوعي في الصفحة الاقتصادية في صحيفة الشرق الأوسط منذ عام ٢٠١٧، عمل في القطاعين الحكومي والخاص، وحضر ضيفا في عدد من الندوات الثقافية والمقابلات التلفزيونية
TT

التخلف عن الركب

«الخوف من التخلف عن الركب» هي ظاهرة سلوكية لاحظها علماء النفس منذ فترة ليست بالقصيرة، وقد تزايدت هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة، حتى أصبحت كلمة «FoMo» وهي اختصار لـ«Fear of Missing out» كلمة مدرجة في قاموس أكسفورد منذ العام 2013، وهذه دلالة على زيادة هذا السلوك. ويعني هذا السلوك ببساطة، أن الإنسان يخاف أن لا يكون ضمن بقية الناس في فعل معين، سواء في احتفال أو في حدث أو استثمار أو غيرها. وقد يدفع هذا السلوك بصاحبه على الرغبة في أن يكون مع جموع الناس فيما يحدث دون تفسير منطقي، لدرجة أنه يقرن سعادته ونجاحه بما يحدث للآخرين. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، زاد هذا السلوك بشكل ملحوظ حتى وضحت الدراسات النفسية علاقة وطيدة بين زيادة هذا السلوك واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ومن الظواهر التي أدى لها هذا السلوك، أن أصبح أول ما يفعله الشخص حين استيقاظه من النوم أن ينظر إلى هاتفه مراجعاً ما فاته من الحوادث أثناء نومه من خلال وسائل التواصل المختلفة. كما ينسب لهذه الظاهرة الكثير من السلوكيات في وسائل التواصل الاجتماعي والتي لا تغيب على نظر القارئ من هوس انتشار أغنيات ورقصات، وصولاً إلى سلوكيات أكثر جدية وتأثيراً، مثل الاندفاع وراء استثمارات بعينها، لا لشيء إلا لأن جموع الناس اندفعت لهذه الاستثمارات، ولأن الشخص لا يريد أن يكون المتخلف الوحيد عن الركب لذا فهو يستثمر بدوره.
والأمثلة على هذا السلوك في الاستثمارات كثيرة، ولعل آخرها هو ما حدث في العملات الرقمية، وتحديدا «بتكوين»، فقبل عام من الآن وصل هوس الناس في العملات الرقمية مبلغه، فزادت أسعار العملات الرقمية بسبب اندفاع الناس إلى شرائها، ودون سبب منطقي يتناسب مع حجم هذه الاستثمارات، غير أن الفكر الشائع حينها هو أن هذه العملات هي عملات المستقبل، حتى وصل سعر «بتكوين» وقتها إلى ما يقارب 20 ألف دولار، وهو اليوم لا يزيد على ثُلثِ هذا الرقم. وبدأت الشركات في إصدار عملات رقمية جديدة، لاقت رواجا بين الناس بلا سبب يذكر. ولأن الكل يريد أن يشارك في الاستثمار المستقبلي الذي يعطي أرباحاً فلكية، استمر الناس بالاستثمار حينها في العملات الرقمية حتى مع أسعارها العالية، حتى شُبّه الذي لم يستثمر بها بـ«رونالد واين» وهو الشخص الذي باع 10 في المائة من أسهم شركة «آبل» في ثمانينات القرن الماضي بـ800 دولار حينها، وهي النسبة التي تقيّم الآن بأكثر من 95 مليار دولار. ولأن الناس لا يريدون أن يتخلفوا عن الركب مثل «واين»، خاصة مع تأجيج وسائل التواصل لهذا الهوس، فقد استثمر الكثير منهم فيها، وقد خسر الكثير منهم بلا شك، مع هبوط هذه العملات. هذا السلوك ليس بالجديد كلياً في عالم الاستثمار، فالتاريخ يذكر بداية الاستثمار في السكك الحديدية في بريطانيا العام 1840، حينها رأى الناس أن المستقبل لسكك الحديد، وارتفعت أسعار أسهم شركات القطارات بشكل مبالغ فيه، فالجميع يريد أن يكون شريكا في «المستقبل» وهو سكك القطارات، حتى بلغت هذه الأسعار أوجها في العام 1846، حينها اتضح للناس أن هذه المشاريع - مع كثرة الشركات المتنافسة عليها - ليست رابحة كما توقعوا، وبدأت الأسعار في الانهيار بعد ذلك. وفي بداية الألفية، وفي الأزمة المشهورة بأزمة «دوت كوم» مع بداية عصر الإنترنت، ضخ المستثمرون الكثير من الأموال في الشركات التقنية، حتى وصل تقييم بعض هذه الشركات إلى أضعاف تقييمها الفعلي، وذلك بسبب أن الجميع يرى أن المستقبل للإنترنت، واندفعت جموع المستثمرين نحو هذه الصناعة الجديدة، فمن يرغب أن يؤول به الحال كما آل بـ«واين» المسكين الذي تخلف عن ركب «آبل»؟ وما حصل حينها أن انفجرت فقاعة «دوت كوم» مخلّفة وراءها الكثير من المستثمرين المفلسين.
جميع هذه الأحداث وغيرها من الأحداث التاريخية حول اندفاع جموع المستثمرين نحو استثمارات بعينها، تقود إلى التأمل فيما يحدث في استثمارات عصرنا الحالي. فالجميع ينظر إلى الاستثمار في التقنية على أنه الاستثمار الناجح، وأن المستقبل يبدأ من استثمارات وادي السيليكون، وقد يكون هذا صحيحا بالمنظور الحالي، كما كانت النظرة في الاستثمارات في القطارات والإنترنت في الماضي، ولكن العنصر المشترك بين هذه الاستثمارات، هو زيادة حجم هذه الاستثمارات عن الحد المعقول، فعلى الرغم من وجود مستقبل حقيقي للاستثمار في الإنترنت فإن العالم لم يكن يحتاج لذلك الكم الهائل من شركات الإنترنت حينها، كما لم تكن بريطانيا في حاجة ذلك العدد من شركات القطارات، وقد لا تحتمل التقنية حجم وعدد هذه الاستثمارات فيها، خاصة مع التقييمات الفلكية لبعضها، دون أي أرباح تذكر، بتبرير وحيد، وهو أن المستثمرين في تلكم الشركات، يؤمنون بأرباحها المستقبلية، ويقودون بقناعتهم هذه، جحافل المستثمرين وراءهم، والذين قد لا يحملون القناعة نفسها ولكنهم - ببساطة - لا يريدون التخلف عن ركب المستثمرين.