معمار المقدس

معمار المقدس

الاثنين - 6 محرم 1440 هـ - 17 سبتمبر 2018 مـ رقم العدد [14538]
علاقة العمارة بقدسية المكان دائماً ما كانت تشغل ذهني منذ الطفولة.
بدأت الفكرة تراودني حين الانتقال للصلاة من زاوية صغيرة مبنية بالطوب اللبن في دارنا إلى الصلاة في مسجد القرية الكبير الذي لم تكتمل مئذنته. ودائماً ما كان يجول بخاطري أن قدسية المكان زمانية أيضاً. أي أن وقت كل صلاة وعلاقته بالضوء يضفي قدسية مختلفة كل مرة. فأدركت أن علاقات الضوء بالإنسان والمكان تضيف بعداً خاصاً للمعمار، قد يكون بعداً يخدم فكرة المقدس إلى حد كبير. عمارة المقدس ونوعية الفضاء التي يشكلها العمران كان لها دوماً التأثير الأكبر والأعمق في حياتي.
أيضاً كنت مسكوناً بروعة العمران، وسرديات سكان المكان، سواء من البشر أو أجناس أخرى، أسمع أصواتها، فالعمارة مبنية أساساً على التوازن، ومن هذا المنطلق تكون رؤية العمارة وحدها ليست الموضوع، لأن التوازن عند الإنسان هو أمر يخص الإذن الوسطى، لذا كنت أسمع العمارة كما أسمع الموسيقى، أسمع العمارة قبل أن أراها، وكان لذلك تأثير كبير في نفسي لفهم علاقة العمران بالمقدس. فمثلاً، في القرية التي تربيت فيها في صعيد مصر، غرب الأقصر وإلى الشمال قليلاً من وادي الملوك، لم يكن المقدس عندي في طفولتي هو المسجد ذاته فقط، بل مكاناً آخر إلى جواره، حيث يجلس كثير من أهل القرية يسردون آلامهم وأحزانهم عند الغروب بعد انقضاء يوم شاق من أعمالهم المتعبة، فيخلقون دائرة من همهمات أصواتهم المميزة والتي أعرفها، وتأتي على أذني كالموسيقى، همهمات من الألم الإنساني الذي كان يرتقي بي روحياً، ارتقاء يشبه ما يفعله الخشوع في المسجد. همهمات تلف المسجد كله وما حوله بصوت المقدس ورائحة المقدس.
تقدم بي العمر قليلاً، فخبرت العمارة الإسلامية ببساطتها الجميلة، وأتاح لي الحظ زيارة الحرم المكي والحرم النبوي الشريفين، وعاد إلى ذاك الشعور الذي خبرته طفلاً، وأنا أستمع لهمهمات أهل القرية إلى جوار المسجد. فرغم روعة العمارة في المسجدين، فإنني كنت لا أرى القدسية فيهما فقط، بل أسمعها أيضاً في همهمات الدعوات الصادقة والانكسارات الدنيوية التي يهمس بها الحجاج والزوار بين الجدران وفِي فضاء الكعبة. وظني أن هذه الذبذبات تبقى محلقة فوق المكان لفترة، فتزيد تلك الآلام والأماني التي يأتي بها البشر من بلاد قريبة وبعيدة، وتبقى معلقة بين السماء والأرض، تزيد المكان قدسية وروحانية.
العمارة المقدسة، إن صح التعبير، من عمارة سنان في مساجد تركيا وكذلك عمارة مساجد القاهرة من مسجد أحمد بن طولون إلى مسجد السلطان حسن إلى الجامع الأزهر ثم جامع محمد علي، كلها عمارة تضيف قدسية خاصة للمكان، ولكن ما أتحدث عنه هنا هو المقدس بمعناه الخاص، الأماكن التي يجد فيها الإنسان نفسه في حالة سيولة نفسية، أماكن هيام وتأمل في علاقة الإنسان بالزمان والمكان والخالق والنفس. هذه الأماكن ليست مجرد أماكن، وإنما لها زمانيتها وأصواتها وموسيقاها، بمعنى أن التأمل فيها والعبادة عند الشروق غيرها عند الغروب، وللحديث صلة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة