المعارضة الإيرانية أمام تحدي البحث عن سبيل إلى السلطة

وسط تنوع أولوياتها وتعدد فصائلها وسعة رقعة انتشارها

المعارضة الإيرانية أمام تحدي البحث عن سبيل إلى السلطة
TT

المعارضة الإيرانية أمام تحدي البحث عن سبيل إلى السلطة

المعارضة الإيرانية أمام تحدي البحث عن سبيل إلى السلطة

مع تصاعد الصراع على السلطة في العاصمة الإيرانية طهران وتزايد حدّته، يبدأ مراقبو الوضع في التركيز على جماعات المعارضة الإيرانية التي يمكنها الاضطلاع بدور فيما سيحدث لاحقاً. وثمة من يقول، إنه في كل الخيارات الثلاثة المطروحة للمناقشة في الدوائر السياسية العالمية، وهي: تغيير النظام سلوكه، أو تغيير النظام، أو حدوث تغيير ما داخل النظام، ربما تساعد تلك الجماعات المعارضة في التأثير على كفة ميزان القوى بشكل ما.
وفي هذا السياق، دشّن بريان هوك، الرجل الذي عيّنه دونالد ترمب لتنسيق السياسات الخاصة بإيران، سلسلة من المشاورات مع شخصيات داخل حركة المعارضة الإيرانية، مع التأكيد على تخلي واشنطن عن سياسة باراك أوباما الداعمة للنظام الحالي في طهران، واستعدادها للعمل مع قوى أخرى للمساعدة في وضع إيران في مسار مختلف.

يعتقد قادة المعارضة الإيرانية أنه من شأن امتناع الولايات المتحدة الأميركية عن دعم النظام الحالي في طهران، فإن ثمة قوى دولية كبرى ستنأى بأنفسها عن النظام الحالي الذي يقوده «المرشد الأعلى» آية الله علي خامنئي. كذلك يعتقد هؤلاء القادة، أن «المؤسسة الخمينية» في طهران، التي تعجّ بالصراعات الطاحنة، أوشكت على استنفاد طاقتها وغدت عاجزة عن التعامل مع ما تواجهه من تحديات في الداخل والخارج. واستناداً إلى هذا التحليل، تعقد جماعات المعارضة داخل إيران وخارجها اجتماعات وحلقات نقاشية، وتنظم ورش عمل كثيرة، وتخطط لتنظيم المزيد منها خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. ومن إحدى الحلقات النقاشية المشار إليها عُقدت أخيراً في العاصمة البريطانية لندن، حضرتها عشرات من المشاركين أفراداً ومجموعات بعنوان «الفترة الانتقالية في إيران». كذلك، ثمة كلام متزايد عن انعقاد «مؤتمر وطني» شامل من المقرّر عقده خلال الخريف لدعم حوار منظم، إن لم يكن تأسيس علاقة رسمية فعلية، بين أحزاب المعارضة وجماعاتها داخل إيران وخارجها بهدف السعي للحصول على دعم دولي أكبر من الدول الديمقراطية الغربية.
قبل بضع سنوات، أي قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، كان المحلّلون يقسمون جماعات المعارضة الإيرانية إلى فئتين: من هم داخل إيران، ومن هم في المنفى. غير أن هذا التقسيم يبدو اليوم ضبابياً وقليل الدقة، ولا سيما بعدما نجح معظم جماعات معارضة المنفى في نسج علاقات موثوقة ومتينة يمكن الاعتماد عليها مع متعاطفين داخل البلاد. ولقد جرى اختبار تلك العلاقات، وتبين نجاحها إلى حد بعيد خلال أحدث انتفاضتين شعبيتين على مستوى إيران كلها في شهري ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ومارس (آذار) الماضي، حين تضاعف صدى ملايين المتظاهرين، وتعزز التنسيق بين خطواتهم من خلال نشطاء خارج إيران.

- معارضتا الداخل والخارج
نعم، لا تزال طريقة تقسيم المعارضين المذكورة قائمة، وإن كانت أهميتها بدأت تتراجع. لكن في المقابل، ثمة انقسامات أو تقسيمات أخرى ربما تقلل من نجاعة المعارضة في التصدّي للنظام الحالي. ومثالاً على ذلك، وجود فئتين: الأولى، تضم مَن ما زالوا يسعون لاستمداد جزء من شرعيتهم من الثورة عام 1979 - التي يزعمون أنه تعرّضت لـ«خيانة» من قبل من في هم السلطة حالياً - . والأخرى، هي تلك التي تضم جماعات معارضة أخرى تسند شرعيتها إلى معارضة حقيقية أو مدعاة لثورة الخميني منذ البداية. وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن الصراع على الماضي ما فتئ يسبب انشقاقاً مريراً بين كثيرين من القوى المناوئة لنظام الخميني.
من جهة أخرى، هناك شكل آخر من أشكال التقسيم له – هذه المرة – جذور آيديولوجية. وفي هذا الإطار، يمكن التمييز بين ثلاثة معسكرات مختلفة:
- المعسكر الأول، يضم جميع الأحزاب والجماعات التي تصرّ على الحفاظ على الصبغة الإسلامية، واستخدام رموزها، مثل حجاب النساء أو الملابس التقليدية غير الغربية بالنسبة للرجال.
- المعسكر الثاني، يضم جماهير القوميين الإيرانيين، الذين لديهم حنين إلى الإمبراطورية الفارسية منذ 25 قرناً، ويؤكدون على هويتهم «الآريانية - الآرية». وتدعم غالبية جماعات هذا المعسكر العودة إلى النظام الملكي، رغم وجود بعض الجماعات القومية التي تدعو إلى نظام حكم جمهوري.
- المعسكر الثالث، يضم أحزاباً وجماعات تجد الإلهام في الأفكار الغربية مثل الجمهورية والعلمانية، ومجموعة من المواقف اليسارية من الديمقراطية الاجتماعية إلى الماوية.
ولقد حققت المعسكرات الثلاثة بعض النجاح في الطعن بشرعية النظام الحالي، والإبقاء على السخونة السياسية في الشارع الإيراني. كذلك نجح أفرادها وتنظيماتها في كشف صورة النظام في الخارج، ناهيك من تشويه سمعته بالفعل. بل، وقد منعت جهودهم الجماعية النظام من النجاح في تحقيق قدر ما من التطبيع الذي من دونه لا يمكن اتخاذ قرار بشأن مسألة سياسية كبيرة محلية أو دولية أو تنفيذها. لكن، مع هذا، لا بد من الاعتراف بأن أحزاب المعارضة الإيرانية وجماعاتها أخفقت حتى الآن في إنتاج مصدر بديل لسلطة معنوية وسياسية قادر على تأسيس حكم بديل جدير بالثقة.
وفي حين تنسجم وتتناغم «الرسالة» التي ترسلها الأحزاب والجماعات المعارضة بشأن رفض النظام الحالي مع آراء كثرة من الإيرانيين، وربما مع الغالبية، فإن هذه الجماعات لا تحقق سوى نجاح محدود، وبوجه خاص، عندما تواجه قياداتها وشخصياتها بالسؤال الصعب، وهو «ماذا سيحدث بعد يوم غد؟». مع هذا، في الكثير من الحالات تعوّض هذه الأحزاب والجماعات المعارضة الضآلة النسبية لأدواتها السياسية والآيديولوجية بنشاطها القوي. بل، في بعض الأحوال، تكون درجة الالتزام والتفاني والاستعداد للتضحية بالذات التي يظهرها المناضلون مذهلة.

- جماعات المعارضة الرئيسة
توجد داخل إيران راهناً مجموعة لا بأس بها من تنظيمات المعارضة السياسية، نعرضها فيما يلي:
من أبرز المجموعات مجموعة تُعرف باسم «إصلاح طلب» (طالبو الإصلاح)، لديها تاريخ من المعارضة يمتد لثلاثة عقود، وعانى المئات من أعضائها من السجن والمنفى، وفي بعض الأحيان من مصير الاغتيال. لقد كانت استراتيجية هذه الحركة تقوم على مفهوم «التطور من الداخل»، الذي وضعه المنظّرون الأساسيون للحركة مثل سعيد حجاریان ومصطفى تاج زاده. وجذب ذلك الكثير من التقنوقراط، والصحافيين، والأكاديميين، وحتى السياسيون داخل النظام أو القريبون منه. مع ذلك، تفتقد الحركة حالياً زعيماً معروفاً، وتتبنى موقفاً رافضاً تماماً للثورة ونتائجها بحسب اعتقاد الكثير من المحللين.

- إسلاميون ويساريون
وهناك عدد من الجماعات والأحزاب الإسلامية والماركسية، التي ولدت من رحم الثورة، غير أنها سرعان ما انقلبت عليها، وأكبرها منظمة «مجاهدين خلق»، التي تتخذ اليوم مقراً لها بالقرب من العاصمة الفرنسية باريس، كما أنها تحتفظ لها بقاعدة للعمليات في بلدة مانيز بألبانيا. ولقد حظيت «مجاهدين خلق» بقدر كبير من الدعم الدولي من مختلف ألوان الطيف السياسي، وكان من بين أبرز مؤيديها شخصيات مثل جون بولتون، مستشار الأمن القومي الحالي للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وبرنار كوشنير، وزير الخارجية الفرنسي السابق. وكان من قادة الحركة البارزين مسعود رجوي، الرجل الذي انشق عن الخميني وانتقل إلى فرنسا عام 1981. وراهناً يرأس المنظمة مريم عضدانلو رجوي، الزوجة الثالثة لرجوي، التي اختارتها المنظمة لتكون الرئيسة القادمة للجمهورية الإيرانية المستقبلية.
جماعة أخرى كانت منضمة إلى الثورة في السابق، وهي تعارض النظام حالياً هي منظمة «فدائيي خلق». هذه المنظمة ذات توجه ماركسي - لينيني انشقت إلى فصيلين، أحدهما ما زال داعماً للنظام يقوده فرّوخ نغهدار المقيم في لندن. وأيضاً، تنتمي إلى المعسكر الذي كان مؤيداً للخميني، لكنه يعارضه حالياً، «الجبهة الوطنية الإيرانية» التي انشقت عن النظام الخميني عام 1982 لتعود إلى جذورها قوةً سياسية تواصل السير على خطى الدكتور محمد مصدّق، وهي اليوم تحت قيادة الدكتور حسين موسويان، والمتحدث باسمها هو هرميداس باوند. هذا، وأنشأت هذه الجبهة ما يسمى بـ«مجلس النخبة الإيرانية»، ودخلت في تحالف غير رسمي مع «الحركة الوطنية الإيرانية»، وهي جماعة أسسها مهدي بازركان، أول رئيس حكومة في عهد الخميني. ويقود الحركة حالياً عبد العلي بازركان، شقيق رئيس الوزراء السابق الراحل. كذلك، انشق حزب «توده» (الجماهير الشعبية) الشيوعي عن نظام الخميني الذي كان يؤيده في البداية، وهو يحاول اليوم ارتداء ثوب ديمقراطي اجتماعي أقرب إلى اليسار الأوروبي الغربي منه إلى الشيوعية السوفياتية البائدة. ثم هناك ستة أحزاب شيوعية أخرى بأسماء مختلفة موجود معظمها في كندا والسويد، وشاركت لسنوات في مباحثات هدفها توحيد صفوفها لتشكيل حركة شعبية واسعة النطاق.

- قوى اليمين
أما على يمين الطيف السياسي فهناك «الوحدة من أجل الديمقراطية في إيران» بقيادة جواد خادم، وهو رجل أعمال ووزير سابق في آخر حكومات عهد الشاه. ولدى الجماعة حنين إلى الفترة القصيرة التي تولى فيها شابور بختيار رئاسة الوزراء وعلاقته التاريخية بمصدّق. كذلك، يوجد في المعسكر اليميني حزبان قوميان، هما «بان إيرانيست»، الذي أسسه محسن بزشكبور‎، وحزب «الأمة الإيراني»، الذي أسسه داريوش فروهر، وزير العمل في أول حكومة في عهد الخميني. ويؤيد الحزبان حالياً تغيير النظام، ويقتربان من الجماعات الداعية إلى الملكية. وتدعو مجموعة من أحزاب وجماعات تيار يمين الوسط إلى إنشاء نظام حكم جمهوري علماني في إيران، وأكثرها نشاطاً هي «الحركة الإيرانية للجمهوريين العلمانيين» بقيادة الناقد الأدبي إسماعيل نوري علاء، وعالم السياسة حسن اعتمادي.
ولكن تهيمن على الجزء من المعارضة، الذي كان معادياً للثورة الإسلامية منذ البداية، الجماعات الملكية التي انقسمت على أساس اختلافات آيديولوجية وسياسية كثيرة، وأكثرها رسمية هي ما يُطلق عليه «المجلس الوطني لإيران»، الذي أسسه رضا محمد بهلوي، ولي العهد وريث العرش الإيراني. ويقول بهلوي، إنه على استعداد لتولي منصب الملك، لكنه سيترك القرار الخاص بشكل نظام الحكم إلى الشعب من خلال استفتاء شعبي. وهناك جماعة أخرى هي «حركة مؤيدي الملكية البرلمانية»، التي تدعو إلى استعادة الحكم الملكي على أساس دستور 1906. للجماعة هيكل قيادي جماعي من أعضائه الباحث البارز ناصر انتقاء وناصر ميمند، القائد السابق في البحرية.
كذلك، يوجد في المعسكر المؤيد للملكية الحزب الدستوري الإيراني، الذي يطرح نفسه حزباً ديمقراطياً ليبرالياً، وكان قد أسس عام 1994 على أيدي داريوش همايون، وزير الإعلام السابق، ويرأسه حالياً خسرو بيت الله والأستاذ شاهين فاطمي. ثم هناك جماعة نشطة أخرى هي «الجبهة الديمقراطية للملكية الدستورية» بقيادة أسد الله نصر أصفهاني، وزير الداخلية الأسبق. والواقع أنه ليس من السهل قياس القوة الحقيقية للحركة المؤيدة للحكم الملكي؛ لأن مؤيدي استعادة النظام الملكي منظمون في جماعات متعددة داخل وخارج إيران، ولا تربطهم صلات تنظيمية رسمية، ناهيك عن غياب هيكل قيادة مركزية. ويحمي الشكل الهلامي غير المحدد تلك الجماعات من حملات التنكيل التي يشنّها النظام، لكنه في المقابل يمنعها من التأثير في أي محادثات ائتلافية مستقبلية تستهدف إقامة حكومة مؤقتة.
مع هذا، بفضل مواقع التواصل الاجتماعي، ووجود 30 محطة فضائية أو على الإنترنت على الأقل تبثّ إرسالها من أوروبا وأميركا الشمالية، نجح عدد من الأفراد في العثور على جمهور دون الحاجة إلى تكوين تنظيمات خاصة بهم. وبين هؤلاء أبو الحسن بني صدر، أول رئيس لإيران بعد ثورة الخميني، الذي يقيم في منفاه في باريس منذ عام 1981. وهناك عبد الكريم سروش، الباحث الإسلامي، الذي يقيم في المنفى لكن له متابعين في إيران، وكان قاد عام 1980 حملة تطهير الجامعات الإيرانية التي أمر بها الخميني. بدأ سروش منتقداً للنظام، وامتدت انتقاداته حالياً إلى مسألة الدين ككل. وفي وضع مماثل نجد آية الله محسن كديور، العضو السابق في المجلس الإسلامي أثناء حكم الخميني، لكنه حالياً من منتقدي النظام ويقيم في الولايات المتحدة الأميركية. هذا، وتمكّن آخرون من جذب جمهور بفضل التلفزيون، بينهم بهرام مشيري، منتقد للدين ككل، ومانوك خدابخشیان المؤيد لنظام حكم ديمقراطي علماني. وعلى اليسار نجد برویز دستمالجي، الذي أسس قاعدة جماهيرية متسعة من خلال انتقاده مفكرين إسلاميين من أمثال علي شريعتي، المعلم الروحي الشيعي لكثير من أنصار الخميني.


مقالات ذات صلة

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

حصاد الأسبوع وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع كوشنر (آ ب)

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا،

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع العلم الأميركي يخفق بجانب أعلام الاتحاد الأوروبي في بروكسل (رويترز)

ترميم «ناتو» بين ضغوط ترمب وحرص أوروبا على تجنّب القطيعة

لم يعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب مشاركته في قمة «مجموعة السبع» في منتجع إيفيان الجبلي الفرنسي، بين 15 و17 يونيو (حزيران)، خبراً بروتوكولياً عادياً.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة المفوضة الأوروبية أورسولا فون دير لاين (المفوضية الأوروبية)

الولايات المتحدة والكتلة الأوروبية... ضفتان أطلسيّتان برؤيتين متباعدتين

> أبرز ما كشفت عنه «حرب إيران» أن التصدع الأطلسي لم يعد محصوراً في ملف واحد، بل صار حصيلة تراكمات متداخلة بين الأمن والتجارة والطاقة والصين وروسيا وإيران


هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.