الزعيم والإنسان: صاحب السيادة السماوي

الزعيم والإنسان: صاحب السيادة السماوي

الثلاثاء - 24 ذو الحجة 1439 هـ - 04 سبتمبر 2018 مـ رقم العدد [14525]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
عندما يذهب الإمبراطور أكيهيتو إلى التقاعد عام 2019 لن يبقى في العالم أحدٌ حاملاً هذا اللقب. والإمبراطور باليابانية، تنو، ليس لقباً سيادياً فقط، إنه لقب روحي أيضاً، ترجمته «صاحب السيادة السماوي». وكان يُعرف بإله الشمس لأن اسم البلاد هو «الشمس الساطعة». فأول ما تُشرق الشمس في شرق آسيا تبسط أشعتها الأولى على اليابان. والبعض يقول، بل على نيوزيلندا.
عندما هُزمت اليابان في الحرب العالمية الثانية، أول ما أصر عليه المنتصر الأميركي، هو تجريد الإمبراطور من ألوهيته. لذلك، أصبح في دستور 1947 رمز وحدة الشعب والدولة. لا أكثر. ولم يعد فوق البشر «لا يموت، بل يختبئ في الغيوم»، بل أصبح يتقاعد أيضاً مثل سائر البشر. وقد تردد أكيهيتو في وراثة والده هيروهيتو عندما توفي عام 1989، لكن كيف يمكن وضع نهاية لأقدم سلالة حاكمة في التاريخ؟ 124 إمبراطوراً منذ العام 660 قبل الميلاد، وآثار إمبراطورية شمسية لا ينافسها إلا آثار الفراعنة في العظمة والهندسة.
لذلك، عندما ذهب الإمبراطور هيروهيتو إلى السفارة الأميركية في طوكيو كي يوقع هزيمته، كتب قصيدة مطلعها: «شجرة الصنوبر تنوء بثقل الثلوج، لكن كم هو الربيع شديد الخضرة»! وكيف كتب بيان الهزيمة؟ لقد بدأ كما يأتي: «من هيروهيتو، الجالس بنعمة السماء على العرش، الذي تحتله سلالتنا منذ الدهور الباقية».
تظهر الصورة الأميركية الإمبراطور وإلى جانبه قائد القوات الأميركية الجنرال ماك آرثر، في ضعف قامته، واضعاً يديه الاثنتين في جيبي سرواله. والسؤال إلى اليابانيين: أين هي الخصوصية السماوية هنا؟
لم تكن علامات القرن الماضي أفظع حروب الأرض فقط، بل أكبر مصالحاتها أيضاً. ضربت أميركا، اليابان، بالقنبلة الذرية، ورمدت مدن ألمانيا، ثم تحول الجميع إلى حلفاء. وبعد الهزيمتين بقليل، تحولت اليابان وألمانيا إلى أهم منافستين صناعيتين لأميركا وإلى إحدى أهم القوى الاقتصادية في العالم: الأولى تخلت عن «صاحب السيادة السماوي»، والثانية تخلت عن «الفوهرر» أو «القائد»، وسلمت القيادة إلى أستاذ مدرسة عجوز، يدعى كونراد أديناور، ومن يليه.
حتى أوائل القرن الماضي، كان يحق للإمبراطور أن يتخذ زوجة واحدة وعدداً من الجواري، اللاتي يُعترف بأبنائهن، ويعطون ألقاباً رسمية. لكن أبناء الإمبراطورة كان لهم دائماً الحظوة الأولى.
إلى اللقاء...

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة